عائلة ضهير في رفح تسعة عشر قلبا أطفأتها الحرب في عائلة واحدة #جرائم_حرب

كفرت بحقوق الإنسان – وبنود ومواد المواثيق الدولية.. ليس ترفا وليس حقدا لكنه صدمة من هول ما عشنا.. في بيوتنا في غزة قتلونا.. أكثر الأماكن أمنا وأمانا للإنسان هو بيته؟!! كيف حين يتحول إلى قنبلة موقوتة بأصحابه!! كيف يمكننا أن نشعر بآدميتنا ونحن نقتل في قلب بيوتنا لماذا؟!! لا تفهم ولا يحق لك السؤال فقط الواقع والحقيقة البشعة هي التي تفتح عينيك عليها!!

هدى سلامة ضهير..

كانت هدى قد بدأت تستعيد وعيها بعد إغماء دام يومين وانهيار تام بعد أن تلقت نبأ استشهاد 19 فردا من أفراد عائلتها، وكتبت لها ولأبنائها النجاة رغم دمار بيتها الملاصق لبيت أهلها قرب المضخة في حي الجنينة برفح لأنها باتت ليلتها مع عائلة أهل زوجها في حي الشابورة برفح!! هكذا الحياة والموت توأمان أحدهما يأخذك لتواصل أنفاسك اللاهثة وأحدهما الآخر يمحيك من وجه الأرض ..!!
التقيت هدى بعد أن استعادت وعيها وألقى الله في قلبها الصبر والسكينة ربما الصدمة أيضا، فهي تحاول أن تجيب عزاء الجارات اللواتي يأتينها على عجالة خوفا من صوت الانفجارات والقصف في أنحاء مدينة رفح.. فالمجزرة لازالت مستمرة وهدى تحاول أن تتمالك نفسها فهي تجد أنها ستكون المنقذة والمعيلة لمن انقذوا من أبناء اخوتها صهيب ومنة اللذان يرقدان في مستشفى الأوروبي ويخضعان لعمليات جراحية ..
هدى الشابة ذات الثلاثين عاما وأم لثلاثة أطفال عبد الفتاح (5) سنوات، ومحمد (10) سنوات، وسعاد (4) سنوات، كان لها بيتا بجوار عمارة أهلها آل ضهير ما أن تفتح باب بيتها حتى ترى أمها تركية تجلس أمام حديقة المنزل لتبتسم.. صباح الخير يا أمي..!! تبتسم الأم مشيرة لها بالاقتراب.
تضحك هدى: لم أغسل وجهي بعد.. تشير الأم من جديد ..حضنها الصباحي هو قهوتها الصباحية.. يتحلق اخوتها وزوجاتهم وأبناءهم .. ماريا، تسنيم، محمد، أروى، شروق، علا، مؤمن، غيداء، يامن، ريم…!!
كلهم الآن لهم أجنحة ملائكة ..!!
البيت طار وحط ترابا وغبارا.. العمارة المكونة من ثلاثة طوابق أصبحت ركاما على أصحابها .. ثلاثة أيام متواصلة ليتمكن المسعفون من الوصول للضحايا تحت الردم وسط ظروف مأساوية واستمرار للقتل والانفجارات وقلة الإمكانات.!!
ليلة العيد

“بيتنا يقع خلف حاوزز المياه أرض اهلي هناك بيتهم وبيتي كانوا مخليين فترة الحرب لأنه المنطقة أرض زراعية والقصف كان شديد في جهتهم، بعدين أمي تعبت ولما انحكى عن هدنة ليلة العيد أصرت أمي أنها تعيد في بيتها وراحوا كل إخواتي وعائلاتهم وفعلا ظلهم بالبيت، كنت بدي أروح أعيد على أمي وإخواني وأبيت عندهم ليلة لأنه كثير كنت مشتاقة الهم وبدي أشوفهم، كيف أنا كل يوم كنت بأشوفهم وبأكون معهم أنقطع عنهم هيك، لكن زوجي ما وافق قلي خليها لثاني يوم بنروح من أول النهار وبنرجع قبل الليل وما كنا بنعرف أنه الله كتب إلنا الحياة وإنه أهلي كلهم حيروحوا بغمضة عين!!!”
تقول هدى كأنما تخاطب قلبها:” أنا كثير كنت قلقانة عليهم طول الحرب أخوي صحفي وكان عندي لكنه يومها راح معهم لأنه اشتاق للعيلة ولأمي، أخي محمد (29) سنة أيضا كان معهم لكنه كان بده يؤذن بالجامع اللي جنب البيت، وأمي حاولت تمنعه لأنه الطيران بالسما والوقت فجر قبل الآذان بنص ساعة والجو كله مرعب لكن هو قلها الله اللي بيحميني وفعلا طلع على المسجد علشان الصلاة والآذان وما عرف وقتها أنه أمي اللي خايفة عليه هي اللي راح تستشهد في بيتها وهو الله اللي نجاه”
وتطفو الصور العالقة في قلب هدى عن اخوتها وأولادهم وزوجاتهم فتقول:” زوجة أخوي علي كانت حامل في الشهر الخامس واستشهدت هي والجنين، وزوجة أخي عمر كانت حامل في الشهر الرابع واستشهدت هي وجنينها .. قتلوهم كلهم بالبيت !! أنا مش قادرة أصدق هم كلهم براسي صوتهم كلامهم ضحكاتهم صراخ الصغار مش متخيلة انه هذا كله حقيقي فعلا.!!”

محاولة اللحاق بالحياة
لكن الموت بالمرصاد

صرخ أحد الجيران بعد اتصال ورده من جيش الاحتلال بقصف عائلة ضهير.. كان الجوال الذي يحاول الاتصال به لأحد أفراد العائلة مغلقا فخرج إلى الباب يصرخ والرعب يملأه.. ونادى على أخي عزت.. كان الجميع نيام فجرا بعد أن أرهقتهم الحرب والتنقل من بيت لآخر، صرخ عزت أخرجوا أيقظوا الأطفال احملوهم.. هيا يا علي ويا وفاء ويا أمي..!!
أكثر من عشرين شخصا كيف يمكن أن يطيروا من المكان في ثواني!! كيف يمكن أن يصدقوا أنها ليست مزحة ثقيلة وأنها دقائق معدودة تفصلهم عن التمزق بانفجار صاروخ حربي بأجسادهم..!! كيف يمكن أن تحمل وفاء الحامل أولادها وتركض وأمي الثمانينية كيف لها أن تركض وتنزل السلالم بخفة صبية..!! وحتى الصبية لم يعد لها أرجل لتحملها أو أعصاب لتدفعها للهرب.. الهرب من أين من البيت من الموت المتفجر على رأس صاروخ..!!!
هذه الثواني التي قرأتم فيها الكلمات السابقة كانت كالتالي:
وفاء زوجة أخي علي الحامل (27) عاما أمسكت بصغيريها (منة 4 سنوات) وصهيب (8) سنوات وركضت على الفور والهلع يصيب كل أفراد البيت .. منة طارت من حم الصاروخ وكسر حوضها وهي ناجية من الموت ولكنها ترقد في المشفى الأوروبي بانتظار عمليات جراحية متعددة، صهيب لازال يرقد في المشفى أيضا من شدة الإصابات في جسده الصغير.
زوجة أخي علي الحامل أيضا أخذها الإسعاف وهي على قيد الحياة وحملت معها أمانة لأقارب وأوصت بأن ترد الأمانة لأهلها ولكن كانت الشظايا قد اخترقت بطنها وأصابها نزيف حاد فأجهض الطفل ثم لم تلبث أن استشهدت زوجة أخي محمد كانت قد وصلت باب العمارة ولكنها اكتشفت أنها ترتدي ثياب البيت وعادت لتتناول أي شيء تضعه على جسدها إلا أن الانفجار كان أسرع منها، بل وجدوها من شدة الانفجار وسط ركام بيتي المجاور لبيت العائلة وقد تقطعت أشلاءا!!
أما أخي محمود فكان يسابق الموت والثواني للخروج من البيت فعلق أبناءه سلامة ومحمد علقهم على كتفه وخلفه زوجته وبناته الثلاثة.. عائلته كلها تناثرت أجسادهم وهم على الدرج يركضون من الدور الثالث نزولا لمخرج العمارة!! لم يتبق من عائلة أخي محمود إلا أحمد (12 عاما) ابن وحيد لأنه لم يكن معهم ليلتها فقد اختار أن يبيت عند أخواله وتبقى يتيما وحيدا من كل عائلته!!!

أمي أمي أمي

أمي تركية (66) عاما العجوز التي كانت تتحرك بهدوء لأن قدميها بالكاد تحملاها، أمي كانت آخر من تحدث معه أخي محمد قبل خروجه للصلاة في المسجد كانت تنتظر الصلاة في البيت ومستيقظة لم تتحرك قالت لهم اتركوني..!! حملي ثقيل وحركتي بطيئة انفذوا بحياتكم وأطفالكم.!! اخرجوا أرجوكم ولا تذبحوني انقذوا الأطفال!! وقعت العجوز من هول الفاجعة لكن أخي عزت كان قد أمسك كتفها وكان يحاول أن يحركها ويمشي بها خارجا.. هكذا وجدوهما تحت الأنقاض أخي يمسك بكتف أمي ويحاول انقاذها فدفنا معا تحت الركام!!!
أمي ماذا فعلت لإسرائيل النازية؟؟!! ماذا فعل أطفال اخوتي وإخوتي وزوجاتهم للاحتلال!! عائلات مسحوا لماذا؟ كيف يمكنني أن أعيد جمع اشلاءهم!! لم يسمحوا لي حتى بتوديعهم (19) قلبا كانوا حولي يمنحوني الأمان والحب والرعاية والاهتمام، (19) قلبا ذبحوهم في ليلة العيد وتركوني مذبوحة.. لم أودعهم فقد كانوا أشلاءا.. يد من هنا وقدم من هناك ونصف جسد من هنا وقطع لحم في أكياس..!! لم أتمكن من أن أطبع قبلة على جبهة أي طفل أو أخ أو أم أو زوجة أخ فقد كانوا كالعجين !! لم يرحموا حياتي ولا موتهم..!!!
ورغم أنهم قتلوا في يوم واحد وساعة واحدة ولحظة واحدة إلا أنهم أخرجوا من البيت شهداء على ثلاث مرات حيث كان دمار وركام ثلاثة طوابق فوق أجسادهم ولم يتمكن المسعفون لول الدمار من العثور عليهم وعلى جثت الصغار إلا بشق الأنفس..!! هل يتصور أحدا حالي أنا التي على قيد الحياة وعائلتي تحت الركام لا أعرف من مات ومن ظل حيا..!! لم يمنحوني وقتا للوداع الرحيم ولا حتى زيارة قبورهم فلا أعرفها من بعضها البعض؟؟ !! عن أي حقوق يتحدث العالم وجريمة الحرب هذه ماثلة في كل نفس أتنفسه
سأجمع من تبقى من الجرحى من أولاد أخي ومن بقى منهم على قيد الحياة وسأربيهم مع أولادي لأنهم سيكونوا عزائي الوحيد ممن تبقى من عائلتي.!! ربما تركهم الله ليكونوا عونا وصبرا لي كي أشعر أن لحياتي جدوى.
واحتبس البكاء كغصة ملعونة في قلب هدى وهي تقول:” لو أن أخي علي ترك ولد أو بنتا فقط من نسله لكان قلبي أهون، لكنه محي وعائلته من سجل الحياة!! لا احتمل كل هذا الفقدان لكن الأطفال عزائي الوحيد بعد أن يتمهم الاحتلال.”

اترك تعليقاً