أخلاقيات العمل الإعلامي

عند الحديث عن مبدأ الحرية وأخلاقيات الصحافة فإنه لابد أن نشير إلى ماهية هذه الحرية وحدودها وإطلاقها إلى المدى الذي لا تقيده حدود و المساوئ الناتجة عن ذلك خاصة إذا علمنا بأن من يدير أو يمتلك المؤسسات الصحافية أو الإعلامية في العديد من دول العالم احتكارات أو رؤوس أموال حزبية أو شركات اقتصادية لها مصالحها.

وقد تتنازل الصحافة في العديد من الدول عن جانب من حريتها من أجل دعم تحقيق هدف قومي داخلي أو في سبيل مصالحها الخارجية.

وإن عدنا إلى الوراء قليلا نجد أمثلة توضح ذلك ، فقد كان عدد من الصحافيين الإيطاليين المرموقين في مطلع الثمانينات يؤمنون بأن نقد الصحافة لحكومة منتخبة يكون مقيدا في الدول الديمقراطية الحديثة أو المهددة .

وقد شعر أول محرر لصحيفة لوموند ” هوبرت بوا ميري ” واحد أعظم الصحافيين في القرن الماضي بأن الأزمة اليائسة أو الحرجة التي حدثت في فرنسا عام 1985فأن نوعا من الدكتاتورية على شاكلة حكم الرئيس شارل ديجول كان ضروريا لحماية نوع من الديمقراطية.

وفي اليابان فأن الصحافة الديمقراطية اليابانية لم تشعر بالحرج ولم تكن خائفة على مبادئها من عقد اتفاقية مع الحكومة الصينية لتعيين مراسلين لها في بكين اشترطت أن لا تقوم الصحف اليابانية بنشر أي أخبار أو تعليقات عدائية حول الصين على صفحاتها.

والعاملون في الصحافة بشكل عام والصحافيون بشكل خاص هم بشر يحملون في أياديهم وقلوبهم حزمة غامضة منظمة من القيم الأخلاقية التي يمكن أن تشكل تحيزا أو حتى ضررا، إنها تنشأ جزئيا من طبيعة المهنة و جزئيا من القيم السائدة في الدول التي تعمل فيها الصحافة .

وفي بعض الديمقراطيات الليبرالية فإن النشر يتم ضبطه بشكل مباشر إما من قبل الحكومة أو تحالف الأحزاب السياسية، كما إنه في دول أخرى فإن الشركات الخاصة وذات الأهداف الربحية تتحكم بالقوة ، وفي بريطانيا يتمتع النشر ببعض الحماية من قوى السوق مع الإدعاء بالاستقلال السياسي.

وهنالك وجهة نظر عامة ترى أن دور وسائل الإعلام هو دائما كما كان، إن الصحافة والإذاعة دائما تبالغ وتشوه وتقمع، وقد تم القول أن لديها تأثيرًا قليلا على الحياة السياسية، والمزعج في وجهة النظر هذه أن دور الصحافة قد تغير، وإن قوة وسائل الإعلام قد زادت بشكل ملحوظ خلال السنوات الأربعين الماضية وهنالك مصادر بديلة أقل للمعلومات بينما أصبحت السيطرة على وسائل الإعلام مركزة في أيدي أقل.

وفي نفس الوقت فإن الصحافة والبث الإذاعي والتلفزيوني أصبحت أقل مصداقية وإن الوسائل المتوفرة للجمهور في مراقبة الإنجاز أصبحت غير قادرة على السير مع النمو والتغير التكنولوجي في صناعات تزداد تعقيداً، لهذا فالصحافة تمارس قوة كبيرة ولكنها أكثر من أي وقت مضى سلطة بلا مسؤولية.

يبدو واضحاً من التجارب و الأحداث، كل دولة مهما كانت شديدة الثقة بنفسها و أوضاعها وقوتها ووعي الناس لديها فإنها في ظروف محددة تتخذ من الإجراءات ما يلزم لوقف تنفيذ أساسيات الدساتير الأخلاقية الصحافية وتقوم بتوجيه المؤسسات الإعلامية و الصحافية العاملة لديها وتجنيدها لخدمة تحقيق الأهداف العامة للدولة بما تمليه عليها مصالحها الخاصة بغض النظر عن المبادئ.

و بالنسبة للدول النامية، ومعظمها لديها دساتير لأخلاقيات الصحافة مليئة بالمبادئ المتطورة و المتقدمة بواجبات الصحافة وأهميتها ودورها في المجتمع، فهي تعيش تناقضاً واضحاً بشأن التطبيق الفعلي للمبادئ الأخلاقية الصحافية. ففي الوقت الذي تطالب به هذه الدول وسائل الإعلام في الدول الأخرى خاصة الوسائل المؤثرة بأن تكون صادقة وموضوعية في تعاملها مع قضاياها المحلية والدولية فإنها في الوقت نفسه لا تسمح بتطبيق هذا المطلب على وسائل إعلامها المحلية عند تعاملها مع تلك القضايا المحلية التي قد تتناول قرارات مهمة تؤثر على المصالح الوطنية العليا أو تمس مسؤولين كباراً في الدولة وتفرض تعتيماً إعلامياً حولها وبذلك تدفعها إلى إخفاء الحقيقة عن الشعب.

ولا نريد العودة إلى الوراء في التاريخ كثيرا فهنالك في التاريخ المعاصر والقريب أمثلة كثيرة على العديد من الدول الأكثر ديمقراطية التي سخرت وسائل الإعلام والصحافة ووجهتها في ظروف محددة من أجل دعم المصالح الخاصة وربما دفعتها للتخلي عن المصداقية والحقيقة في أخبارها في سبيل ذلك.

وهنالك الكثير من المؤسسات الصحافية و الصحافيين من قبلوا بهذا الدور في التخلي عن الالتزام بالمبادئ العامة للمهنة في سبيل المصلحة العامة باعتبار أن المصلحة الوطنية تتطلب ذلك في الظروف الطارئة التي تواجهها الدولة.

وقد اعتبر حجب بعض الأخبار عن القراء أو عدم تقديم الحقيقة الكاملة فيها أو تشويهها أحياناً يصب في سبيل المصلحة الأمنية للدولة أو خططها الاقتصادية و العسكرية أو أهدافها النهائية التي تنفذها أو تعد لتنفيذها.

غير إنه بالرغم من ذلك فإننا نجد بعض وسائل الإعلام في دول يتخذ رؤساؤها قرارات مبنية على معلومات خاطئة يزجزون فيها ببلدانهم في صراعات دولية مكلفة اقتصاديا ومالياً وبشرياً تقوم بواجباتها بالمطالبة بضرورة إظهار الحقيقة للناس وإظهار مبررات هذه القرارات عبر وسائل الإعلام بعيداً عن خداع الرأي العام.

ونشير هنا إلى ما قامت به هيئة الإذاعة البريطانية في الأسبوع الأخير من شهر حزيران من عام 2003 بعد الاحتلال الأميركي البريطاني للعراق باتهام رئيس الوزراء البريطاني توني بلير بأحداث التغيرات على الملف الخاص بأسلحة الدمار الشامل في العراق بعد فشله في إثبات امتلاك العراق الأسلحة المحظورة وهو الأمر الذي أثار حفيظة الحكومة البريطانية ونشرت الإذاعة تصريحاً لمسؤول كبير في المخابرات البريطانية قال فيه إن رئاسة الوزراء قد بالغت وأضافت وأعادت صياغة بعض الحقائق في التقرير الأصلي الذي قدمته المخابرات حول الحجم الحقيقي لأسلحة الدمار الشامل التي أتهم العراق بحيازتها.

وبثت الإذاعة في نفس الوقت برنامجا عن أسلحة الدمار الشامل الإسرائيلية تحت عنوان ” سلاح إسرائيل السري ” وذلك رغم الضغوط القوية التي مارسها اللوبي اليهودي في لندن لمنع إذاعته واعتراض إسرائيل عليه في ضوء ما تضمنه من انتقادات لاستثناء تل أبيب من جهود نزع أسلحة الدمار الشامل في المنطقة.

واعتبر مراقبون أن عرض الإذاعة لهذا البرنامج في هذا التوقيت كان بهدف إحراج الحكومة البريطانية والرد على الضغوط التي مارستها ضدها وأيضا كشف الازدواجية التي تتعامل بها لندن وواشنطن مع قضايا الشرق الأوسط.

فالانتقادات التي وجهتها الحكومة البريطانية إلى الإذاعة البريطانية نتيجة محاولتها توصيل المعلومات ا لصحيحة إلى مشاهديها ومستمعيها تتناقض مع مزاعم حرية الرأي والتعبير والشفافية والديمقراطية التي تدعي هذه الدول أنها تدعمها وتدافع عنها، واتهم المعهد الدولي للصحافة الحكومة البريطانية بمحاولة التأثير في أسلوب الإذاعة في نقل أخبار الحرب على العراق وتسخيرها لصالحها.

ولعل ما حدث خلال الاحتلال الأمير كي البريطاني للعراق من أمثلة شاهد على كيفية تصرف وسائل الإعلام القوية في تغطية هذه الحرب.

ووصفت إحدى وكالات الأنباء تغطية وسائل الإعلام الأمير كية للحرب على العراق خلال شهر نيسان عام 2003 قائلة:
( على شاشات التلفزة الأمير كية يلف الغبار الكثيف الحرب على العراق كما يتصبب الجنود عرقا وتضيء القنابل الأمير كية ليل بغداد غير إن المشاهد لا يرى دما ولا يسمع بكائا ).
وصور الحرب التي تعرضها هذه الشاشات لا علاقة لها بتلك التي تبثها الوسائل الأخرى الأجنبية والأوروبية منها بشكل خاص والتي تظهر صور قتلى وجرحى مدنيين أو عسكريين من الجانب العراقي وأسرى حرب أمير كيين.
كما أن التظاهرات ضد الحرب التي تحظى بمكانة جيدة في الشاشات الأجنبية يشار إليها بشكل وجيز فقط في محطات التلفزة الأمير كية الكبرى التي تتنافس في البث المباشر المتواصل حول الحرب ضد العراق.

وفي الحقيقة فإن الصحافيين ال 500 اللذين يعملون مع القوات الأمير كية يتقيدون ب 12 صفحة من التعليمات التي أعطاها البنتاغون من أجل تغطية النزاع، وتسمح التعليمات بنشر الصور في شكل مباشر عندما تعتبرها السلطات الرسمية مناسبة و بإمكان البنتاغون أيضا أن يقرر منع بث أي الصور.

والمشاركون الأمريكيون الغارقون في دفق من التحقيقات المصورة حول الجنود
الأميركيين الهادئين والعازمين على القتال لن يروا صور الأسرى والقتلى الأميركيين التي بثتها محطة الجزيرة القطرية كما إنهم لم يروا حتى الآن صور جثث المدنيين العراقيين المقطعة بصواريخ القوات الحليفة في العراق.

وقال وزير الدفاع الأميركي دونالد رامسفيلد عن الصور العراقية للجنود الأميركيين التي بثتها قناة الجزيرة أنه سيكون من المؤسف أن تبث صور كهذه في الولايات المتحدة.

وأعلنت المحطات التلفزيونية كلها بعد ذلك إنها لن تستخدم هذه الصور ولم تظهر سوى صورة جثة قتيل لم تعرف هويته ).

وقد ثار جدل أخلاقي كبير حينما أصدر الجيش الأمير كي في الرابع والعشرين من تموز قرارا بنشر صور لجثتي عدي وقصي ابني الرئيس العراقي السابق صدام حسين ليثبت للعراقيين إنهما قتلا. وقام ضباط في بغداد ننشر الصورتين في مشرحة تظهران راس عدي والنصف الأعلى من لجسده وصورتين أخريين لقصي مع صور للأخوين كانا على قيد الحياة للمقارنة.

يشار أن التقاليد داخل الجيش الأميركي كما تشير الصحف الأمير كية تقضي بعدم نشر صور القتلى.

(لكن نشر هذه الصور قد يكون عملا صعبا بالنسبة لإدارة احتجت عندما بثت تلفزيونات عربية مشاهد لجنود أمير كيين قتلوا خلال غزوها العراق في آذار.

وقال مسئول في وزارة الدفاع الأمير كية إن المعايير تتفاوت من منطقة إلى أخرى بشأن ما يمكن عرضه في أجهزة الإعلام ).

وتراوحت ردود الفعل الصحافية العالمية حول نشر الصور المذكورة من ناحية الأخلاقيات الصحفية، وقال خبراء أميركييون إن نشر الصور له ما يبرره وتمشى مع تقليد قديم يرجع إلى أيام الإسكندر الأكبر وأتفق مع هذا الرأي خبراء في الإعلام وقالوا إن عرض صور الزعماء بعد مقتلهم تقليد يرجع إلى وقت الإسكندر الأكبر منذ وفاته عام 323 قبل الميلاد وأشار بول ولفينسون الأستاذ بكلية الصحافة في جامعة فورد ام ” من سمع ليس كمن رأى فحين توفي الإسكندر الأكبر في سن صغيرة 33 عاما وضعوا جثمانه في العسل وعرضوه في نعش زجاجي وحافظوا عليه لأطول مدة ممكنة حتى يتمكن الناس من إلقاء النظرة عليه “.

لكن افتتاحية صحيفة فرانكفورتر روندشاو الألمانية المستقلة انتقدت نشر صور عدي وقصي.

وقالت الصحيفة ” نتحدث هنا عن الكرامة الإنسانية بصرف النظر عن الجرائم التي أتهم عدي وقصي بارتكابها إلا أن عرض الصور يمثل انتهاكا للمبادىء الأساسية للعالم المتحضر.

وقال بوب ستيل وهو خبير في الأخلاقيات الصحفية في معهد بوينتر بفلوريدا أن هناك هدفاً صحفياً مشروعاً وراء نشر الصور لكنه صرح أيضاً بأن نشرها يتعارض أيضاً مع اعتراضات إدارة الرئيس الأميركي السابقة على عرض الأسرى الأميركيين في الحرب العراقية في التلفزيونات العربية.

وقال ” هناك تعارض بل تناقض وربما نفاق حين تؤيد الحكومة بقوة نشر معلومات بعينها ثم تعود بعد ذلك وتحظر بشدة معلومات أخرى وتمنع نشرها”.

أما بيتر باتيا رئيس رابطة رؤساء تحرير الصحف الأميركية فقال إن الصور لها قيمة صحفية وأنها تخدم غرضاً سياسياً وهو إظهار إن إدارة بوش أحرزت بعض النجاحات في تحقيق أهدافها في العراق، ولمنه أضاف ” ارغب أن تكون الإدارة منفتحة وواضحة بالنسبة للمعلومات دوما مثلما كانت في هذة الحالة، لكن هذا ليس حال هذة الإدارة عادة”.
وفي موقعها على الإنترنت عرضت صحيفة ” يو اس أيه تودي ” صور الجثتين ومعها تحذير يقول/ تحذير من المحرر..الصور مرفقة برسومات توضيحية/ واستاء عدد كبير من المترددين على الإنترنت من الصور.

وكتب أحدهم لوكالة رويترز يقول ” الم تتعلموا من سجل الجنود الأميركيين القتلى في شوارع مقاديشو وتكررون نفس الخطأ / مشيراً الى فيلم بثته وسائل الإعلام في أوائل الستينات لسجل جثة جندي أميركي في شوارع العاصمة الصومالية خلال تدخل عسكري أميركي في البلاد”.

وخلصت دراسة أجريت لحساب مجلة ” دليل التلفزيون” في لوس أنجلوس الى أن عدد مشاهدي التلفزيون الذين يتأذون من مشاهد العنف أكبر من العدد الذي يتأذى من مشاهد العري أو من التعليقات التي تحمل إيحاءات جنسية.

كما خلص المسح الذي شمل 1015بالغاً من مختلف أرجاء الولايات المتحدة الى أن 71بالمائة قاموا بتغيير قناة المشاهدة لتجنب رؤية مواد يعدونها مؤذية بالرغم إن 91بالمائة أشاروا الى أنهم لم يقوموا قط بالاتصال بشبكة تلفزيونية للشكوى من هذة المواد.

قال نحو17بالمائة ممن استطلعت آراؤهم أن صور العنف والدم كانت أكثر المواد إيذاء على شاشة التلفزيون مقارنة مع ثمانية بالمائة للغة الخارجة وستة بالمائة للعري أو التلميحات الجنسية.

وأشارت المجلة الى أن شبكة ان. بي. سي التلفزيونية لم تتلقى شكوى واحدة في العام الماضي عندما تفوه بونو مغني فريق ” يو2″ بلفظ ناب أثناء بث حي لحفل توزيع جوائز جولدن جلوب التلفزيونية.

أحياناً قد لا يقتصر تشويه الحقيقة على أحداث بعينها بل قد يأخذ صوراً أخرى من بينها قيام وسائل الصحافة و الإعلام بدولة ما تعد ديمقراطية بحملات هجومية، قد تكون مبررة أو غبر مبررة، على دول أخرى لاتخاذها سياسة معارضة أو مخافة للدولة الأولى تجاهه قضية دولية أخرى.

وهنالك أمثلة عديدة جرت وتجري في العالم على مثل هذة الحالة من أمثلتها ما ذكرتة صحيفة واشنطن بوست الأميركية خلال شهر أيار/ مايو من عام 2003من أن فرنسا ستقدم رسمياً اليوم شكوى ضد حملة تضليلية بحقها في وسائل الإعلام الأميركية منذ تسعة أشهر من دون أن تسعى الحكومة الأميركية في البحث عن المحرضين عليها. و نقلت الصحيفة عن مسؤلين فرنسيين قولهم أن هذه الشكوى التي لا سابقة لها وردت في رسالة وقعها السفير الفرنسي جان ديفييد ليفيت وستنتقل الى الحكومة و البرلمان (الكونجرس) الأميركيين. وقال هؤلاء المسؤلون أن لا شك لديهم من أن مصادر هذا التضليل التي تهدف على حد قولهم الى التشهير بفرنسا بحجة إنها كانت متواطئة مع نظام صدام المخلوع نابعة من الإدارة الأميركية نفسها.

وبحسب الفرنسيين فإن الأمر يتعلق بفريق الصقور في وزارة الدفاع الأميركية أو بالمقربين منها.

وتدهورت العلاقات بين فرنسا و الولايات المتحدة إلى أدنى حدا بسبب معارض باريس مع موسكو و برلين للحرب على العراق.

وأوردت الرسالة المؤلفة من صفحتين لائحة من بالمقالات المتهمة التي نشرتها الصحف الأميركية بدءاً بنبأ أصدرته نيويورك تايمز في أيلول (سبتمبر) حول مبيعات أسلحة فرنسية للعراق.

كما إن سجلات التاريخ و أحداث الماضي القريب و الحاضر تعطي أمثلة كثيرة على كيفية قيام وسائل الصحافة والإعلام في الدول القوية و المؤثرة على الساحة العالمية بقوة إنتشارها وتحكمها في مهاجمة المواقف و الآراء المتعلقة بالصراعات و القضايا الدولية التي تخالفها حتى ولو كانت مواقف وآراء عادلة تتفق مع الشرعية الدولية وحقوق الدول و الشعوب.

ومثال على ذلك فقد كشف الكاتب الأميركي ما يكل كزلينز بايبر النقاب عن أن مؤسسات ومنظمات يهودية وصهيونية في الولايات المتحدة تمارس ضغوطا ً وتهديدات وتشن حملات التشهير ضد كل ما يحاول كشف المخططات الإسرائيلية و الصهيونية أو الدفاع عن حقوق الشعب الفلسطيني ودعم القضايا العربية .

وأوضح الكاتب في دراسة أصدرها مركز زايد إنه تعرض هو نفسه لضغوط وتهديدات بسبب كتاباته عن دور المخابرات الإسرائيلية بالتعاون مع المؤسسات والجمعيات الصهيونية داخل الولايات المتحدة .

وكشف بايبر عن ماهية هذه الضغوط ودور الإعلام الأميركي وكيفية تعامله مع القضية الفلسطينية والصراع العربي الإسرائيلي منذ بداية طرحه على الساحة الدولية وتدخل الولايات المتحدة بشكل مباشر في هذا الصراع وتأثير ونفوذ هذا الإعلام بكافة وسائله المرئية والمقروءة والمسموعة وغيرها على تشكيل وتوجيه الرأي العام الأميركي تجاه كافة القضايا على الساحة الدولية .

وتناول بايبر مدى تأثير وسائل الإعلام على المواطن الأميركي الذي يتلقى معلوماته وثقافته في الأساس عبرها فيما يغلق أمامه أي مصدر آخر للمعلومات بحيث يصبح الشعب الأميركي أسير هذه المصادر المعلوماتية دون غيرها وهذا ما نجحت فيه جماعات النفوذ والضغط اليهودية والصهيونية من خلال وسائل الإعلام العديدة التي تسيطر عليها .

وتنص معظم الدساتير الصحفية في العالم على حق الصحافيين في رفض الكشف عن مصادر معلوماتهم التي ينشروها أو ينون نشرها ومنع تنصت الشرطة على الاتصالات الهاتفية التي تجريها وسائل الصحافة ومحاسبتها عليها إلا إذا كانت تتعلق بالأمن الوطني أو تتطلب ضرورة تدخل الشرطة لمنع جريمة معينة .

ففي مطلع شهر أيلول عام 2002 أحتج الاتحاد الدولي للصحافيين على قيام الشرطة الدنماركية بالتصنت على محادثة هاتفية بين محرر صحافي ورئيسه بشأن إشاعات بوجود قائمة ليهود دنماركيين يتم تمريرها بين قوائم الإسلاميين المتشددين .

وقال ايدن وايت أمين عام الاتحاد إن التسجيل الصوتي لهذه المحادثة بين الصحافي ستيغ ماتيسن مع رئيسه تم الإستماع إليها يوم الاثنين أثناء جلسة سرية بمجمع محاكم كوبنهاجن التي قرر خلالها القاضي إلزام الصحافي بالكشف للشرطة عن مصادره التي إستقى منها هذه الإشاعة .
وأكد أن تصرف الشرطة لا يعكس الإساءة لإستخدام السلطة ولكن يؤكد احتقار بعض قياداتها لحقوق الصحافيين ووسائل الإعلام ،أوضح أن التقرير الذي نشرته صحيفة “بيلاندز بوست” التي تعتبر ثاني أكبر صحيفة في الدنمارك يقوم على شائعات منتشرة في مدينة اروس التي تقطنها جاليتان يهودية وعربية كبيرة بخصوص وجود قائمة لإغتيال يهود دنماركيين دون الكشف عن أية تفاصيل أخرى .
وأشار الى أن رفض الصحافي و رئيسة الكشف عن مصادر هم يعرضهم لغرامة أو سجن لمدة تصل الى سته اشهر حيث يحمي القانون الصحافيين من الكشف عن مصادرهم إلا فيما يتعلق بمعلومات هامة عن التحقيقات التي تجريها الشرطة و التي تتعلق بجريمة خطيرة تهدد الأمن القومي للبلاد .و أكد وايت أن الأمر يكشف مجددا طبيعة الضغوط المتزايدة على الصحفيين للكشف عن مصادرهم حيث تستغل وسائل الأعلام من اجل التوصل الى الأدلة ، وكذلك يعكس انتهاكا للحقوق الأساسية.
وبينما تعتبر المصداقية من أهم الأسس التي ترتكز عليها محتويات الأخبار ألا أن الأحداث أثبتت أن أهم الصحف العالمية التي تعرف بتأثيرها الواسع وتركيزها في دساتيرها ومبادئ عملها وتأكيدها على هذا المبدأ قد سقطت في نشر أخبار وتقارير مزورة سواء كانت محلية أو عالمية .
ففي منتصف العام 2003 استقال اثنان من كبار محرري صحيفة نيويورك تايمز بعد فضيحة قيام أحد صحفييها بتزوير و انتحال موضوعات صحفية نشرتها الصحيفة التي بدأت مهمة صعبة لاستيعاد مصداقيتها التي فقدتها في فضيحة التزوير التي أضرت كثيرا بسمعتها .
وتحدثت الصحف الأمريكية عن قيام الصحافي جيسون بلير من نيويورك تايمز بتلفيق التحقيقات الصحفية والغش والنقل من مطبوعات أخرى واختلاق أحداث وتفاصيل غير صحيحة في التقارير التي كان يكتبها للصحيفة وتبين من التحقيق انه أختلق تفاصيل لم تحدث في 36مقالة من اصل 73مقالة منذ أن تم تكليفه بتغطية الأخبار المحلية الأمريكية ، وتحتوي المقالات أخطاء في الواقع كما أخلاقيات المهنة .
واعتبرت استقالة مدير تحرير الصحيفة هويل رينز و المحرر الإداري جيرالد بويد خطوة إيجابية ، وكان رينز قاد الصحيفة إلى النجاح ودفعها الى الفوز بسبع جوائز بوليتيزر محطمة الرقم القياسي .
وكانت استقالتهما بمثابة القبول الرسمي بمسؤليتهما عن الفضيحة التي أندلعت بسبب المحرر الشاب جايسون بلير الذي ثبت انه لفق العديد من التقارير .
وأثارت فضيحة بلير موجه من المراجعات الأخلاقية و النقد الذاتي وتوجيه الاتهامات ولم يتمكن رينز من تصحيح الوضع كما ذكرت الصحيفة المباشرة .
وقالت صحيفة وول ستريت جورنال احد النافسين الرئيسين لصحيفة نيويورك تايمز إن المشاكل في الصحيفة تفوق فضيحة بلير وتضرب بجذورها في تفضيلها المتزايد لصحافة الرأي بدلا من الصحافة المباشرة .
وقالت أن افضل الأنباء التي يمكن ان تنتج عن إضراب الحاصل في التايمز سيكون إعادة إحياء معايير الصحافة القديمة .
ولم تستطيع صحيفة نيويورك بوست التي هاجمت صحيفة نيويورك تايمز و اتهمتها بانها ليبرالية بشكل كبير ولا تتحلى بالوطنية مقاومة إغراء وضع إعلان ساخر لوظيفة شاغرة في نيويورك تايمز على صفحتها الأولى وجاء في إعلان إن الصحيفة تبحث عن ” شخص محب للثقافة الفرنسية لشغل منصب المحرر التنفيذي ” وقال الإعلان ” يفضل أن يكون المرشح للوظيفة محبا لمهاجمة الولايات المتحدة أما احترام الحقائق فهو اختياري للمرشح ”
وعلى الرغم من المجادلات و النقاشات التي تتم حول أهمية وجود الدساتير الأخلاقية وضرورة تقيد الصحافيين بها طوعاً وعدم خرقها أو الخروج عليها فإننا نادراً ما نقرأ استطلاعات للرأي العام توضح رأي الفرد ، الذي هو الهدف النهائي للخدمات التي تقدمها الصحافة بالصحافي وبمهنته .
فالشعب الألماني مثلا لا يضع الصحافيين في مكانة عالية في المجتمع ، ففي مسح أجراه معهد اليزباخ أظهر أن 13 بالمائة فقط من سكان ألمانيا ( الغربية سابقاً ) يضعون الصحافيين بين الناس الأكثر احتراما بينما حصل الأطباء على نسبة 77 والمهندسون على 60 بالمائة .
وهذا الرأي تجاه الصحافيين يرتبط بعدة حقائق :
– الصحافيون غالباً ما ينتقدون ولهذا يبدون انهم يرهقون الدولة والشعب .
– وسائل العمل والسلوك لدى القلة من الصحافيين تبدو وكأنها صفقات عامة للصحافيين .
– الفوائد التي يدرها عملهم عليهم بالنسبة لكل شخص في دولة ديمقراطية أو المهندس .
– لا يوجد امتحان نهائي للصحافي بعد فترة التدريب العملية .
وخلال الستينات والثمانينات أجاب مشاهدون وقراء ومستمعون بنسبة اكثر من اليوم على سؤال فيما إذا كان التلفزيون أو الإذاعة أو الصحف تقدم تقارير كما حدثت حقيقة ، وهناك أسباب عديدة لانخفاض المصداقية لكن الناس مع دور فعال لوسائل الإعلام والصحافة يجب أن يسألوا أنفسهم حول مساهمتهم الشخصية لهذا التطور ، أن الدستور والقوانين تعطيهم الحق أن يكشفوا الانتهاكات و الأخطاء والسقطات للصحافة ، ويتهم الصحافيون بحق بقلة المصداقية إذ وخلال حكمهم على تصرف وسلوك الآخرين يطبقون مقياساً لا يعتبرونه مقياساً ينطبق على أنفسهم .
ومن المقلق إن ثلث الصحافيين في ألمانيا تحت سن الخامسة و الثلاثين يعتبرون إنه من المبرر الحصول على وثائق سرية عن طريق دفع المال للمصدر لهذا فإنه بالنسبة لكثير منهم فإنهم لا يجدون خطأ في استعمال طريقة ( صحافة دفتر الشيكات ) .
وفي الولايات المتحدة أظهرت الأبحاث الأخيرة أن الصحافة تقيم دورها ك(كلب حراسة) أكثر مما يقيمها الجمهور. ويؤمن 10 بالمائة فقط من وسائل الإعلام بأن نقد الصحافة للقادة السياسيين يمنع هؤلاء القادة من القيام بعملهم ، ولكن 31 بالمائة من الشعب يعتقد بأنه يتعارض مع قيام القادة بواجباتهم .
ونشرت مؤخراً معلومات مقلقة فقد أشارت وثيقة حول استطلاع وطني استياء كبيرا تجاه الصحافة الأميركية وممارستها ، واستعمل الجمهور كلمات مثل : متغطرسة ، عديمة الإحساس ، متحيزة ، غير دقيقة وعاطفية في وصف وسائل الإعلام .
أجرى (منتدى الحريات ) ، وهو مؤسس دولية غير متحيزة مسحا أشار الى أن 53بالمائة من المشاركين فيه قالوا بأنهم يعتقدون بأن الصحافة تمتلك حرية اكثر من اللازم ، وهذا يشكل زيادة بنسبة 15بالمائة نقطة عن مسح مشابه اجري عام 1997 . وقال 45بالمائة في عام 1985 . وقال 39بالمائة بان وسائل الإعلام تضر بالديمقراطية فعليا .
و قال 65بالمائة بان الصحف يجب أن لا تتمكن من الصدور بحرية .
وعبرت أعداد متزايدة من الذين تم استطلاع رأيهم عن اعتقادها بأنه يجب أن لا يسمع للصحافة بانتقاد المرشحين السياسيين وان لا تستعمل كاميرات مخفية لجمع الأخبار وان لا تتمكن من نشر أسرار الحكومة .
ويتم اتهام الصحفيين بأنهم ” قوة وحشية ” بدون مسؤولية ، ولكن مجموعة من 200محرر وكاتب ومنتج ومراسل صحافي يعملون في المملكة المتحدة امضوا العام الماضي في العمل تحت شعار : ( إذا لم نكن نحن ، فمن يكون . واذا لم يكن الآن ، فمتى ) . وقد اصدروا معا كتابا حول التغطية الإخبارية للعام ليكون دليلا “للتغطية الأخلاقية ” في أوقات الصراع .
بالنسبة لمعظم الأمريكيين فان صدمة الحادي عشر من أيلول /سبتمبر ، بما فيها مدى ردة الفعل العالمية ، كانت عنيفة وغير مستوعبة بسبب أن وسائل الإعلام حظرت تغطية أحداث عالمنا المتداخل ، لقد قللت الصحافة الأمريكية التغطيات العالمية التي تقوم بها بنسبة حوالي 80بالمائة خلال العقدين الأخيرين .
ان فشل الصحافة الأمريكية في التغطية الدولية ، والاتجاه نفسه ينمو في بريطانيا ، لم يؤد فقط الى جهل الشعب حول تأثير ثقافة وحكومة ما على العالم ولكن قد يكون فعليا فاقم الصراع .
وفي عصر المعلومات فان الصحافيين هم مراقبون غير منفصلين ولكنهم مشاركون فعليين في طريقة تفهم المجتمعات و الطوائف لبعضهم البعض وفي طريقة إشعال الأطراف للصراعات .
لقد أراح الصحافيون أنفسهم دائما بنظرية “إننا فقط ننقل الحقائق ” وسمي ذلك بالعقد الأخلاقي ، ولكنه خيار بين الحقائق ، تلك التي يتم كتابتها وتلك التي يتم حذفها ، حيث يحل مبدأ أخلاقي أخر ، مبدأ المسؤولية الأخلاقية .

وقد عمل اكثر من 200 خبير إعلامي بتكاتف لمواجهة التحدي لوضع إطار لمساعدة أنفسهم وزملائهم لتغطية الصراعات بطريقة تكتشف وتتفحص التعقيدات ، ومحتوى الصراعات وإمكانياتها . وكان من نتيجة عملهم الخروج بكتاب ( تغطية الصراعات ) بالإضافة إلى ذلك توصلوا إلى وضع قائمة لمساعدة المراسلين الصحافيين في الاندماج بالتفكير والعمل وفق المضامين الأخلاقية في عملهم .
وخرج المشاركون بعد نقاش بدليل عملي للتغطية الصحفية الأخلاقية للصراعات في القرن الحادي والعشرين من خلال وضع ما يحتاج المشاهدون والقراء ان يعرفوه من الأخبار العالمية وما يمكن أن يعلموه ليقوموا بتقديمه لهم .
ونعتقد في هذا المجال أن مثل هذه المبادرات من قبل الصحافيين أنفسهم التي انبثقت من واقع الأزمات التي تمر بها المهنة الصحفية أو تعيشها والانحرافات التي يقوم بها البعض – صحافيون ومؤسسات –أثناء ممارسة المهنة هي مؤشر على تأكيد قدسية هذه المهنة والوعي بأهمية التقيد بأخلاقيات الصحافة التي أكدتها جميع دول ومؤسسات العالم ومنضما ته والدعوة لضرورة تلافي الأخطاء التي يقع فيها بعض العاملين بالمهنة سواء عن قصد أو غير قصد خاصة في تغطية الأحداث الدولية المهمة والصراعات السياسية والعسكرية لتكون المصداقية وخدمة الناس واطلاعهم على الحقيقة وسماع الرأي الأخر والتنبيه الى عدم التغطية المتحيزة والمنطلقة من المواقف الشخصية أو المصلحية التي تمثل طرفا واحدا خاصة في الصراعات الدولية .
ولابد من القول انه مهما تنوعت أشكال الخروج عن المبادئ الأخلاقية الصحفية ومواثيق الشرف الصحافي وأسس وأهداف المهنة الصحفية سواء من أشخاص بعينهم أو مؤسسات صحفية و إعلامية متنفذة توجهها رؤوس أموال لمصالح شخصية أو اقتصادية أو سياسية فإننا نؤكد أن هذه المبادئ لابد وان تستمر في تشكيل الأهداف الثابتة و المقدسة للمهنة و العاملين فيها ليس في القول ونقل الحقيقة للشعوب فقط بل وفي الدفاع عن الأهداف التي وضعت من اجلها ليكون العمل بهذه المبادئ السامية لمهنة الصحافة هو الأصل خاصة بالنسبة للأجيال الجديدة و القادمة من الصحافيين .

اترك تعليقاً