بحاجة ماسة لرعاية صحية ونفسية لهن ولأطفالهن نساء فلسطينيات يروين حكايتهن مع الولادة تحت القصف الإسرائيلي

وجوههن شاحبة يعلوها الاصفرار والارهاق والتعب يبدو واضحا ما مررن به، تشعر أنك تنتهك مساحتهن الخاصة حين تسأل السؤال ببلاهة.. كيف عشت هذه التجربة!! تجربة الولادة تحت القصف!!! إنه السؤال غير المناسب فيكفي أن تنظر لطفلها وما يرتدي وإليها وما ترتدي والمكان المكفهر لامرأة أنجبت للتو..!! إما صف مدرسي عاري إلا من بعض الفرشات الاسفنجية النحيفة والتي تلتصق بالأرض فور أن تجلس عليها، أو بعض البنوك (المقاعد الحديدية) التي وضعت جانبا وأضافت قسوة للمكان أكبر.!! لا شيء آخر.. طشت واحد لخمس نساء لديهن مواليد .. يكفي أن تنظر لجلد المواليد الأحمر المتسلخ من الحر وعدم القدرة على الاستحمام يوميا في مثل هذا الوقت، ويكفي أن تضطر إحداهن للذهاب بطفلها للمشفى في اليوم التالي فلا حليب في صدور أمهاتهن، وهذا أمر طبيعي من التهجير والإهمال بأنفسهن وقلة تغذيتهن وقدرتهن على العناية بصحتهن فالوضع بأكمله كارثي وهن بتن على الهامش…
يكفي أن أهلهن وأمهاتهن لا يستطعن الوصول لهن. يكفي أن أزواجهن ليسوا معهن في ذات الغرفة لأن الغرفة الواحدة بها عدة عائلات فالنساء والأطفال غالبا بداخل الصف والرجال والشباب يناموا في ممرات الصفوف وفي ساحة المدرسة!! لا تواصل عائلي. تشرد ووجع وقهر والأصعب أن بعضهن أدركن أن بيوتهن قد تم تدميرها تماما فلا ملجأ لهن بعد الآن… وبعضهن لازلن يتمنين العودة لأنصاف البيوت !!!
قصصهن على اختلافها هي قصة واحدة لمعاناة النساء الحوامل واللواتي اضطررن للولادة خارج بيوتهن وفي مراكز الإيواء ورغم الاحتضان الكامل لهذه المراكز إلا أن الوضع استثنائي بامتياز وغير منصف لأحد، ولو توفرت كل احتياجاتهن المادية فكيف يمكن توفير احتياجاتهن النفسية والحماية والاستقرار إنه المطلب الأكثر صعوبة وهو ما لن يتمكن أحد من التعهد به. فشعب بأكمله تحت القصف وتعرض للدمار والقتل وبالتأكيد ستنال النساء حصة أكبر.
هذا التقرير يحاول أن يعرف العالم ما يحدث للنساء في أشد الأوقات الذي هن بحاجة لأمان ورعاية خاصة.. مولود جديد ورغم كل شيء رغم الموت المنتشر برائحته وهيئته كاملا إلا أن الحياة تأبى أن تشق طريقها لتعيد للفلسطينيين صوابهم وتمنحهم الأمل والحياة واستعين بكلمة مدير أحد مراكز الإيواء معين الهور في رفح. إنها بشرة خير لنا جميعا رغم كل شيء!.

***
انفجار صاروخ حربي إسرائيلي قرب مركز الإيواء في مدرسة الجامع في رفح جعل صفاء الفرماوي الحامل في الشهر التاسع تنتفض وتصرخ ألما من شدة قرب الانفجار وأصابتها حالة من الهلع مما استدعى المسؤولين في مركز الإيواء على استدعاء سيارة اسعاف بالسرعة الممكنة، ولم تكد تصل سيارة الإسعاف حتى تم تفجير صاروخ حربي آخر قريب من المدرسة ما جعلها في حالة غاية في الصعوبة وعلى وشك الولادة.

صفاء سمير الفرماوي 23 عاما من سكان زلاطة – الشوكة في المناطق الشرقية من رفح تم تدمير بيتها والبيوت المجاورة وتشردوا بسبب العدوان الإسرائيلي منذ بدء العدوان ولجأوا إلى أحد مراكز الإيواء تجلس وهي تحتضن مولودها بسام ذو اليومين تقول:
” هذه أصعب ولادة مررت فيها بحياتي، فقد ولدت قبل ذلك ولدي بنتين وولد، شعرت أنها المرة الأولى التي أنجب فيها، لقد كانت مضاعفات الحمل معي خطيرة وكنت ارتعد طيلة الشهر الأخير للحمل فلم أشعر بالأمان ومشيت مسافة طويلة هربا من بيتنا حيث القذائف الإسرائيلية وصوت الانفجارات لم تتوقف حتى وصلت أمام بيوتنا، فلم يكن باستطاعتي مراجعة أي مراكز صحية وكنت أشعر أني ضعيفة جدا لا أملك حماية نفسي ولا جنيني ولا أطفالي فزادت خوفي، وحين لجأنا لمركز الإيواء لم أشعر أني بخير فقد تأخر موعد ولادتي بسبب الخوف ما يزيد عن أسبوع، حتى شعرت بالقصف القريب جدا من مركز الإيواء فشعرت بالطلق وبحالة الولادة تعتريني”
وتقول:” جسدي كان يرتجف وشعرت بحرارة شديدة وحتى بعدما ولدت كانت حرارتي مرتفعة ولم أشعر أني على ما يرام لكني لم أمكث سوى عدة ساعات بالمشفى ثم عدت لأفترش الأرض في مركز الإيواء”
صفاء كانت تجلس على الأرض خلف صفوف دراسية وقد وضعت والدتها من اليمين ومن اليسار بعض الملابس والأقمشة على طول حبل حتى تشكل بعض الخصوصية لابنتها والسماء لحافا لها، وحولها أطفالها كل ما تملكه وجبة سحور وإفطار يحضرها مركز الإيواء، ترتدي جلبابا ومنديلا طيلة الوقت، لا تعرف أي راحة أو خصوصية كإمراه ولدت للتو ..!!”
أن تلد النساء تحت القصف الإسرائيلي وأن يحمين أطفالهن ويفكرن في بيوتهن ويعايشن ظروفا قاسية جدا فعليهن أن يبقين بملابس الخروج ولا يعرفن معنى الراحة، ولا يمكنهن حتى الاستحمام وأمور النظافة الشخصية الملحة للنساء في هكذا وضع هو أمر لم تعيشه امرأة واحدة فقط بل هنالك الكثير من النساء عشن هذا الألم ومررن بهذه التجربة فهنالك على الأقل 5 حالات في مركز واحد وهو مركز مدرسة الجامع اثنتان ولدن قبل يومين فقط، وثلاثة عمر أطفالهن 5 أيام فقط.

***
امتياز أبو عرار 27 عاما تسكن قرب المطار على حدود رفح كانت أول المهاجرات إلى مدرسة الإيواء نتيجة خطورة الوضع في منطقة سكناها تقطن في مركز الإيواء منذ عشرين يوما تأخر موعد ولادتها لأسبوعين على الأقل كما أخبرها الطبيب بسبب الخوف الشديد الذي عانته قبل خروجها من الموت في بيتها، حيث القذائف والطيران الحربي الإسرائيلي لم يكف عن هجومه على المدنيين ولم تتمكن من أن تهدئ من رعبها حيث أنها بالكاد تمكنت من الفرار من منزلها وعائلتها. تقول:
“كنت أرتعد رعبا من شدة الانفجارات التي طالت بيوتنا، وبصعوبة خرجنا من منطقة المطار ومشينا مسافة طويلة لم نجد أي وسائل نقل، الشوارع كانت فارغة والانفجارات نرى ضوؤها الأحمر البشع وصوتها المدوي فوق رؤوسنا، طيلة الوقت كانت الطائرات فوقنا فالمنطقة مكشوفة، كانت قدماي لا تحملاني وكنت أتألم ولا أستطيع أن أقول شيئا فالجميع خائف. أطفالي وعائلتي والجيران والموت يقفز لنا في كل زاوية حتى تمكنا من الوصول لمركز الإيواء، ومباشرة ذهبت إلى المشفى للتوليد لكن استمرت مراجعتي أكثر من أسبوع ونصف والأطباء يقولون لي بيت الرحم مغلق تماما من شدة الخوف وما مررت به، وخشيت كثيرا على سلامة الجنين، كنت أفكر طيلة الوقت بما يحدث لنا وهل سنعيش في اليوم التالي!! كنت أبكي من شدة الألم والخوف وهول ما حدث لنا!! لم يستوعب عقلي ما يمكن أن يتحمله بسر مثلنا!! ”
وتضيف: ” لدي 5 أطفال أعمارهم من عامين إلى 10 أعوام لم أكن أستطيع أن أفكر بهم وباحتياجاتهم وباحتياجاتي في مثل هذا الوقت، وبسبب القصف القريب جدا قبل يومين عند مدرسة الإيواء لم أشعر بنفسي وانهرت من الوجع والألم وحملوني بالإسعاف إلى مستشفى التوليد كانت ولادة صعبة ولم أشعر بالراحة أبدا فقد غادرت المشفى بنفس اليوم لمركز الإيواء، لا أعرف طعم النوم وفجأة وجدت نفسي في صف مدرسي وبه عدة عائلات لا صلة قرابة بيننا وأطفال كثيرون وأنا لا أشعر بأي خصوصية أو راحة والنساء هنا مثلي بنفس الشعور، حتى الأطفال نأمل أن يحميهم الله، لقد اعتنوا بنا بمركز الإيواء ووفروا حليبا للأطفال وبمبرز ولكن هنالك احتياجات كثيرة للمواليد تركنا كل شيء خلفنا في بيوتنا.. !! أشعر أني أريد أن اصرخ !! لا أصدق أني أعيش هذا الوضع. لا أحد يشعر بمعاناتنا مهما تحدثنا لا أحد بإمكانه أن يعيش ساعة واحدة في وضع مثل وضعنا. ”

***
هناء أبو الروس 23 عاما أيضا من زلاطة من الشوكة برفح انجبت بالأمس ليان ولديها طفلة واحدة لم تتم عامين بعد، تقول بألم: موقف لا يمكن تصوره الدبابات الإسرائيلية دخلت منطقتنا والقصف لم يتوقف لم نجد خيارا بترك منازلنا قبل أن يهدوها على رؤوسنا، مشيت مسافة كبيرة وسط خوف ورعب كباقي الجيران، لم أكن أظن أننا سنبقى على قيد الحياة، شعرت بالطلق طول الليل في مركز الإيواء ولم أكن استطيع أن أرفع صوتي فهنالك عائلات كثيرة بالمكان، وصباحا حدث قصف قريب ربما أقل من 50 متر فقط بصاروخين وكان الصوت ملاصقا تماما وقريب وتملكني الرعب واخذت بالبكاء و لم أستطع التحمل وجاء زوجي وأحضر بالتنسيق مع مركز الإيواء الإسعاف والحمد لله وصلت المشفى وولدت هناك، لكن وضعي الصحي كان مزري وولادتي لم يكن لدي أي قوة وحتى الآن لم استرد عافيتي لكني مرغمة على الجلوس اغلب الوقت وحتى النوم ليس مريحا ولا يراعي حاجتنا كنساء بالكاد ولدن، لكن الأمر ليس بيدنا هذا ما قدر لنا.”

***

قصص كثير تملأ الأفق. في غزة تمت إبادة جماعية لأهلها وأحياء بأكملها حرقت لقد لاذت هؤلاء النساء بحياتهن بأعجوبة وشاء الله لأطفالهن أن يروا النور في مدرسة تأسست للتعليم وليس لرعاية الأمهات والأطفال.!!

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *