دان من طين ودان من عجين صوتنا يبقى صادحا ولنا حرية الكلمة

تجمعنا كفا بكف مجموعة من النساء والصبايا، بعض الوجوه نراها للمرة الأولى لكن الأكف قد تصافحت، كانت ساحة الجندي المجهول معبقة بمئات وآلاف الأجساد، تتوه بنظراتك عن الملامح لكن إشراقا يغزوك من الوجوه المندفعة، هتفنا بصوت واحد ” لا للانقسام، نعم للوحدة الوطنية غزة وضفة غربية” المكبرات الصوتية أخذت تطغى على شعارنا، الحشود بدأت تتدافع، عشرات الأعلام المطرزة بعناية بعلم فلسطين وبجانبها علم راية حماس بنفس العلم بدأت تتغلغل بيننا، لم يكن بالإمكان أن نعبر عن أنفسنا، عدنا نهتف هتاف واحد فقط ” علم فلسطين وبس” وجدنا انفسنا وسط الآلآف من الجموع تلقائيا -وربما بتنظيم آني- بفعل وجودنا كنساء بين هذي الجموع تشكلت من حولنا أذرع الشباب والرجال الأنقياء ليفسحوا المجال لصوتنا الموجوع، ظللنا نمشي وهتافنا واحد علم فلسطين وبس” عتمت مرة أخرى مكبرات الصوت فوقفنا قبالتها حتى أجبرنا أصحابها على الهتاف بصوتنا ” بدنا علم فلسطين وبس”
قفزت إحدى المتحلقات معنا على إحدى هذه الأعلام وجذبته صارخة هو علم فلسطين لا حماس ولا فتح، تصادمت الأيدي وسرعان ما تغلب صوتنا وجدنا أنفسنا مقابل المجلس التشريعي وباصات تقذف حشود نسوية يحملن رايات حماس الخضراء مدرزة بعلم فلسطين، صرخنا من جديد وبدأت الخطة المحكمة ذابت أصواتنا وأجسادنا في طوفان أخضر، يقتحم مشهد التوحد، إنهم يصرون أن نذوب بينهم ولكنهم لا يقبلون أن يذوبوا فينا..
هتفنا من جديد ..” الله، الوطن، فلسطين ”
مشهد آخر اقحم نفسه أمامنا، بعض الشباب أخذتهم الحمية الحزبية فحاولوا قذف أعلاما صفراء ليوزعها حولنا، فانقضت عليه النسوة وأخذنها صارخات “علم فلسطين وبس”، لم نعد نجد أنفسنا في هذه الحشود المنظمة، والهادفة لتجيير المسيرة الوحدوية لصالح طرف واحد، وآخرين لم يسعفهم النضج الوطني بعد فحاولوا تشويه جمالية المشهد، فتركنا ساحة الجندي المجهول وتوجهنا لأرض الكتيبة وهناك لم يسمح إلا لعلم فلسطين في التواجد فقط، مرت الساعات لما بعد الخامسة مساءا، وتخللها قذف حجارة وبعض المشاجرات هنا وهناك، تعبت وزميلاتي كثيرا فآثرنا نيل قسط من الراحة في إحدى الأماكن المفتوحة على قلتها، وهناك وجدته أسعد شاب فلسطيني هذا ما عرفته حين ناداه أصدقاؤه وهو يتهاوى عن مقعده، وقد أنهكه التعب، رشوا الماء على وجهه، ولكنه انهار بين ايديهم فمددوه على الأرض، اكتشفت أنه مضرب عن الطعام من أول أمس حتى يتحقق إنهاء الانقسام، ويرفض أن يكسر الإضراب، رغم وهنه وضعفه، رفض كسر إضرابه رغم كل محاولات أصدقائه، أسعد مرآة نقية أراد أن يعبر بحرية عن تضرره من بقاء الشعب الفلسطيني منقسما لكن أحدا لم يفهم رسالته بعد، أحدا لم يفهم رسائل كافة الشباب الفلسطيني الأنقياء ففريق رام الله يقدم بشكل مسرحي عشاءا وطعاما للمعتصمين في الضفة الغربية بعد يوم حافل بالانتهاكات والتشديد ومحاولات تكميم الصوت الحر، وفريق غزة يقدم عشاءا من نوع آخر وجبة دسمة من العصي والهراوات والألفاظ البذيئة والقمع لحرية الرأي والتعبير -التي كفلتها كل الأعراف والمواثيق الدولية- بعد أن فشلت خطتها في احتواء الحشود وتقدمهم أطراف الانقسام بالتواجد في الميدان وكأن المنقسمين هم آخرون، فكل من فتح وحماس طرف في الانقسام لقد اتخمنا شعارات، والمنتفضون ليسوا بحاجة لوجبات طعام أو شعارات فارغة جوفاء لأنهم خرجوا ليفتحوا آذان حماس وفتح بعد أن صدأت آذانهم وأصبحت إحداها من طين لا تسمح بسماع صوت الشعب، والأخرى من عجين تعفن حتى فقدت حاسة السمع..
الآن يا طرفي الصراع يا حماس ويا فتح أنتم سبب الانقسام الفلسطيني الفلسطيني والشعب خرج ليقول لكم أنتم كفوا أيديكم عنا، تعلموا من تجارب من حولكم ولا تتجبروا على أصواتنا، القوة وتكميم الأفواه ليست إلا مدخلا لثورة حقيقة لن تبقي أيديكم الملطخة بدمار فلسطين، ولن يغفر لكم التاريخ ولن يغفر لكم شعبكم تحت أي مبررات قمع حريته وصوته وحقه في التعبير عن رأيه ووجوده.
إن أبجديات حقوق الإنسان وحرية الرأي والتعبير لا تقبل ما يحدث في غزة الآن من انتهاكات ضد الجميع نساءا وفتيات، شبابا ورجال، صحافيين وأطباء، إن ما شاهدناه ورأيناه وسمعناه بأنفسنا أمر لا يقبله منطق ولا عقل، إنه فكر لا يسمح أبدا بسماع صوت إلا صوت نفسه، أنتم تبدون أشبه بالمهرج الذي يحاول أن يدخل البهجة في قلوب المتفرجين من حوله- مع احترامي للمهرجين الحقيقيين- فلا تسمعون سوى صدى ضحكاتكم ولا تجدون غير انعكاس مراياكم، والشعب الذي اختاركم يوما لا تمتلكوه مدى الدهر.. إن انتفاضة لابد آتية شئتم أم أبيتم وانهيار المنظومة الأخلاقية في التعامل مع المنتفضين المسالمين في الميدان هي بداية سقوطكم..
إن يوم 15 آذار يوما يجب أن يكون يوما تذكاريا لتقبل العزاء لحرية الرأي والتعبير، لأنه كان مقبرة لكل القيم والحريات العامة والشخصية، ويستحق أن يكون يوما حالكا بالسواد من كثرة الأشكال والصور والمستويات التي برزت فيها مصادرة حقوقنا جميعا في الرأي والتعبير وبعشرات القصص والشواهد والدلائل لهذه الانتهاكات التي بدأت بشكل علني وغير مقبول، ولازالت مرشحة لمزيد من السوء خاصة مع زيادة مؤشرات العنف ضد التجمعات السلمية وضد كل من يحمل كاميرا أو أداة للتسجيل والتوثيق الإعلامي، وهذا ما تم رصده في 16 و17 مارس وإدانة العديد من المؤسسات الحقوقية جملة الانتهاكات التي تعرض لها الصحفيون/ات من مصادرة لكاميراتهم أو تعرضهم للضرب والاعتداء والإهانة أثناء قيامهم بتأدية واجبهم الصحفي وتغطية المسيرات والتجمعات السلمية التي لم ترفع إلا علم فلسطين ولم تهتف بشعار غير ..لا للانقسام.. نعم للوحدة الوطنية، فأي جرم ارتكبته الجموع السلمية وأي جرم ارتكبه الصحافيون/ات في أداء واجبهم الصحفي!!!
إن الحرية في المعجم العربي الأساسي – إن لم تمر بأجندتكم من قبل- تعني حالة الكائن الحي الذي لا يخضع لقهر أو غلبة، ويفعل طبقا لإرادته وطبيعته، إن الحرية هي وجود انساني وفعل انساني، ولا حرية إلا بالنضال، أي بتحقيق الذات وانتزاع الحرية من براثن القهر.
مرة أخرى -وكأني اخاطبكم- إن حرية الرأي والتعبير تتمثل في التعبير عن الأفكار والآراء عن طريق الكلام أو الكتابة أو العمل الفني أو أو.. بدون رقابة أو قيود حكومية مادامت هذه الآراء والأفكار لا تمثل خرقاً لقوانين أو أعراف منصوص عليها، لذلك لنا حرية الكلمة، ولنا حرية الصحافة، ولنا حرية التجمعات السلمية.
يا سلطة حماس ويا سلطة فتح أنتم الآن ترون موقعكم من انتفاضة الشباب الفلسطيني حاولوا أن تفهموا قبل فوات الأوان، من حق الشباب أن يعبر عن رأيه، من حقنا كنساء وفتيات أن نعبر عن آرائنا، من حق الصحافيين/ات أن ينقلوا صورة الحدث وينقلوا المعلومات بحرية و شفافية ومصداقية للجمهور، ومن حقنا كمؤسسات إعلامية وأهلية ونقابية أن نؤكد على حقنا في التعبير عن آرائنا والقيام بنشاطات وفعاليات هادفة لخلق حراك جماهيري مادامت قوانيننا الفلسطينية تكفل هذه الحقوق، ومادمتم تنصبون أنفسكم أولياء الأمر فيجب أن تلتزموا بحقوقنا وحمايتها ايضا لا التشويش عليها وقمعها وهدر كرامة الشعب الذي نسيتم أنه لازال خاضعا للاحتلال الإسرائيلي ونسيتم قضية فلسطين ومعاناة اللاجئين والقدس وتشبثتم بأوهام السلطة والقيادة حتى أننا لم نعد مرئيين كشعب لازال نابضا بالحياة لكم جميعا بعد أن غبتم كغيركم بإرادتكم في سلطة/سلطتين ..
نحن لازلنا ننبض بالحياة بالحرية بالكرامة وننشد أمرا واحدا أن يكون العلم الفلسطيني هو علمنا جميعا فقط دون ألوان حزبية بعد أن أفقدتموها روح الألوان- نحن ننشد أمرا واحدا وقلبا واحدا لازال يهتف لا للانقسام .. نعم لزوال الاحتلال.. نعم لوحدة الصف الفلسطيني.

اترك تعليقاً