رام الله – حبيبتي

بقلم: بيناز السميري – بطراوي

حين يعتصر قلبك الألم, وتجلس الغصة في حلقك, ويعجز لسانك عن النطق, تبقى الكتابة هي الحل. ثلاثة أسابيع بعد الاجتياح الثاني لمدينتي رام الله و البيرة، أصبحت حياتنا تؤرخ بالاجتياحات. عندما دخلت القوات الاسرائيلية هذه المرة، كنت مع فريق تلفزيوني في أحد مهمات العمل الصحافية في الولايات المتحدة الأمريكية وعدت الى منزلي بعد ثمانية عشر يوماً من اجتياح الجيش الاسرائيلي للضفة الغربية, وأمضيت خمسة أيام في منزلي تحت منع التجوال في انتظار ان يرفع بفارغ الصبر. كم أردت رؤية عائلتي, أختي الصغيرة, والدة زوجي التي أدخلت المستشفى أثناء منع التجوال، والد زوجي الحزين على اقتحام منزله، ومكتبه في وزارة الثقافة الفلسطينية، واعتقال ابنه. أردت رؤية غيرهم ممن أحب.

وأردت برغبة كبيرة ومترددة أن أرى وسط المدينة “الخراب والدمار” الذي أحدثه الجيش الاسرائيلي في المتاجر والمؤسسات. ويا لصدمتي، رام الله الجميلة المزهوة بنفسها كعروس في ليلة عرسها التي كانت في وقت ما تزخر بالحفلات والسهرات على أسطح بناياتها في ليالي الصيف, أصبحت مليئة بسواد الحرائق والركام والغبار، شوارعها اختفت معالمها، وبناياتها تهشمت واحترقت. حزنت كثيراً على ذلك المحل الصغير حيث كنت اصفف شعري و تذكرت لطافة صاحبة المكان التي كانت دائما تمتعني بقهوتها اللذيذة. حزنت لحرق المطعم “الأميركي” الذي اعتادت ابنتي تناول الهامبرغر فيه، وعلى المتجر الذي اعتاد زوجي شراء ملابسه الرياضية منه. كل الاماكن التي كانت حميمة على قلوب عائلتي، كل الاماكن احترقت عن بكرة أبيها، واختلط سواد الجدران بدماء الشهداء الذين قتلهم الجيش الاسرائيلي.

عندما رأيت هذه المشاهد توقف قلبي للحظات عن الخفقان، وشهقت يا الهي ماذا فعلوا بك يا مدينتي الجميلة؟ آه يا حبيبتي، شوّهوا وجهك الشاب والمفعم بالحيوية. آه ما أشد حقدهم وكراهيتهم، آه كم هم متغطرسون جبابرة وطغاة. واسيت نفسي وسط دهشتي وحزني أن الابنية يمكن اعادة بنائها علماً بأن الخسائر كبيرة. لكن ما هو من المستحيل رأب صدعه الحزن العميق في عيون من قابلتهم أهلي, أحبائي, وأصدقائي, اتفق الجميع على أن شبح الموت كان قريباً جدا منهم وأن الكراهية تعمقت، وتجذرت وأن الهلع تربع في قلوبهم، وأن ماحدث، و ما زال يحدث، كان فوق طاقة البشر و احتمالهم. و تساءلت, هل أنجز الجيش الاسرائيلي مهمته التي اجتاح المدينة من أجلها؟ هل كافح “الارهاب” وشل بنيته التحتية؟ هل صادر ما يكفي من ملفات المواطنين وأتلف ما شاء من معلومات؟ هل روّع الأطفال كما أراد ولقنهم درساً بأن مصيرهم سيكون كمصير البالغين من ابائهم وأخوتهم اذا ما رفعوا رأسهم يوما مطالبين بأية حقوق؟ هل اعتقل ما يكفي من شبان كانوا مشاريع شهادة؟ هل ذبح ما يكفي من نساء وأطفال وشيوخ وأنزل على رؤوسهم ما يكفي لقتلهم من صواريخ و قذائف و حجارة وأعمدة؟ هل شبع مصاص الدماء من مص دماء ضحاياه أم ما زال بحاجة الى المزيد؟ الاجابة على كل ما سبق “لا”، لا لم ينجز الجيش الاسرائيلي مهمته ما زال بحاجة لمزيد من الوقت وما زال الأمريكيون يغازلونه ويمنحونه الفرصة تلو الأخرى حتى ينجز مهمته. لم يشبع مصاص الدماء من دماء ضحاياه وهو يعلن مرة تلو المرة أنه اذا نسحب من مراكز المدن الفلسطينية فانه سيبقى على الأطراف، و كأنه يلوح بعصاه لا تهنئوا ولا تبتهجوا فأنا دائما بالجوار.

ان الجيش الاسرائيلي قد كسب جولته على المدى القصير، ولكن وبكل تأكيد ليس على المدى البعيد لأن حجم الكراهية والرغبة في الانتقام التي تولدت في نفوس الفلسطينيين ربما توازي كل ما تولد من كراهية وغضب على مدى الصراع الفلسطيني- الاسرائيلي خلال الاربع و الخمسين سنة الماضية. هل تدرك الحكومة الاسرائيلية هذه الحقيقة؟ هل تدرك أن أمنها وسلامتها لا ينفصل ولا يتجزأ عن أمن وسلامة جيرانها و في مقدمتهم أمننا نحن الفلسطينيين؟ هل تدرك أن لعبة الحرب من السهل اشعالها ومن الصعب جداً اطفاؤها؟ هل تدرك أنها باجتياحها خلقت جيلا كاملا من الاستشهاديين؟ كم من الوقت يحتاج قادة اسرائيل ليدركوا هذه الحقائق؟ والحقيقة الأهم أن الفلسطينيين هم بشر مثلهم من لحم ودم، يحبون أطفالهم ولا يرسلونهم الى الموت بل هو الموت يختارهم لأن حياتهم أقرب ما تكون الى الموت.

بيناز السميري – بطراوي / اعلامية فلسطينية تعمل كمديرة لدائرة الاعلام النوع الاجتماعي في معهد الاعلام العصري في جامعة القدس.

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *