فلسطين سائحة في بلدي

.. بعد أكثر من 15 عاما تنفست شيئا من بلدي.. ارتجفت كثيرا في القدس وتحسست أبوابها وتعلقت عيوني بأسوارها.!! في القدس تركت قلبي متأرجحا بين شوق سنوات طويلة وبيني أنا ..تلك الصغيرة التي كانت تتعلق بكل رحلات يوم الجمعة للأهل في غزة ولم تكن تصلي حينها لكنها لم تترك مساءا إلا أعدت عدتها لتفاجئ أمها وأبيها بأنها مستيقظة الرابعة صباحا وقد ارتدت أبهى حلتها.. تمشى في طرقات المخيم والناس نيام لتصل المسجد حيث نقطة تجمع لمن قام بالتسجيل لرحلات القدس.. للصلاة ربما.. للعشق ربما.. كانت تلتصق بهم وهم يصعدون الحافلات، تطمئنها أحضان أمها وقبلاتها.. نامي يا صغيرة لازال الوقت طويلا لازال الوقت مبكرا لتري القدس.. لكنها جافاها النوم خشية أن يتركوها مرة أخرى بالمخيم وتبكي وتظل تبكي ..خافت أن تبكي لذا بقيت مسهدة العينين حتى يغلبها النعاس.. بين جبلين تدير رأسها بقوة كي لا تفقد أن ترى شيئا.. أذناها تطن كثيرا تقف.. تجلس.. تلتصق بنافذة الحافلة.. همسات حولها تعبر عما في قلبها الصغير.. هناك في المسجد الأقصى يصلون ويتركون خلفهم هموم المخيم وقلوبهم المكلومة.. يقفون صفا للصلاة وقد اختلطت يافا بحيفا بالرملة والفالوجة وغزة.. تركوا خلفهم حياتهم وجاؤوا زائرين… الصغيرة تحدق في جنبات المسجد تركض وتلهو.. يشير لها الكبار بالصمت.. لم تعد تخشى أن تقبع صامتة ارضاءا للكبار كي لا يعيدوها.! هي في القدس…
****
بعد أكثر من 15 عاما وقفت الصغيرة تشرب من الصخور الصامتة لم يشعر أحدا بحنانها مثلما شعرت الآن.. سائحة في بلدي .. علقت في الذاكرة أنسام بلادي.. هأنذا أقف الآن سائحة أحدق في الهواء.. في الأرض.. في جدران المسجد.. قبة الصخرة أنام على بساطها أعتلي حيث مسرى الرسول صلى الله عليه وسلم.. توقف قلبي عن النبض حيث رأيت إحدى النساء تبكي بقهر فوجئت أنها من غزة أيضا ولم ترى القدس منذ طفولتها ورفيقتها مثلها إذ جاءت للعلاج بأختها في إحدى المستشفيات وجاءت لتصلي .. كانت تبكي تريد صورة واحدة كي تصدق لاحقا أنها زارت المكان.. وسناء لم تأتي منذ 7 سنوات رغم أنها في جنين وأمل لا يمكنها المحاولة فأهل الضفة الغربية بحاجة لتصريح لزيارة القدس.. والنساء قلوبهن تنزف قهرا فقد رحلت طفولتهن وذاكرة لا تنمحي بعبق بلادهن.. والآن يحدثن أطفالهن عن القدس وباب العامود وعن الحب في شوارع تتألم وتئن تحت وطأة الاحتلال الإسرائيلي..
“جواهر” رفيقتي بالسفر لم تطأ قدماها أرض القدس إلا بعد 40 عاما من الحرمان.. وقفت مسمرة أقدامها حين دخلنا للصلاة.. ظلت تحدق تحمل حقيبتها ولا تتحرك.. كنت أعبىء جعبتي برائحة المكان وألتقط صورا لأولادي الصغار كي يدركوا أن حلما كبيرا بانتظارهم.. “جواهر” تصلبت مكانها فأمسكت بها من ذراعيها وقلت لها.. هي ساعات محدودة ..نعم أنت الآن في القدس احملي معك كل الأشياء الجميلة وطوفي في المكان ..أنت في القدس الآن عليك أن تصدقي ذلك.. !!
ما أقسى أن تعيش الحلم ولا تصدق أنه حقيقة!! جسدي يقشعر مرارا.. زخرفات السقف تعيش في كينونتي.. الدفء والسكينة والحب والإيمان يلفني.. أغمض عيناي أخيرا وتعود ذاكرتي للطفلة في أعماقي أراها تقفز وتجري لا حدود للسعادة التي منحتها إياها..
عبأت حقيبتي بعد ساعات قليلة بطهارة المسجد وعيون المقدسيين المترقبة، حملت معالم القدس وأخذت قطعة من باب العامود في يدي ملأت حقيبتي بالبخور والملبن.. الملبن الذي طلبه منه كل من سمع أني قد أكون هناك.. الشوارع تفتقد أهل فلسطين.. كل فلسطين..
****
ستنا مريم.. قالت صديقتي لا تفوتوا فرصة أنكم في بيت لحم بمكان قريب مغارة الحليب تلك المغارة التي سقطت فيها بضع قطرات من العذراء بينما كانت ترضع المسيح وهي مختبئة في المغارة قبل هروبها إلى مصر وسميت بهذا الاسم بسبب الصخر الأبيض الذي تتميز فيه أرض المغارة والذي يقال أنه تحول للصخر الأبيض بعد أن سقطت قطرات الحليب.. أن تقرأ أو تسمع لا يعنى أنك رأيت.. وهذا حالنا ورفيقتي بالسفر.. توجهنا من فورنا وذهبنا لكنيسة المهد تذكرت مبعدي كنيسة المهد وتلك الساحة التي شربت من دماء الفلسطينيين الذي استشهدوا برصاص الاحتلال الإسرائيلي.. فاوض الاحتلال الإسرائيلي السلطة الفلسطينية حيث أبرمت اتفاقية أبعد بموجبها 26 محاصر إلى قطاع غزة و13 إلى الدول الأوروبية.. وظل كنعان وصحبه في غزة بعد أن صدموا بواقع أن لا اتفاق فالعامين أصبحت 11 عاما ولم تنتهي بعد .. فهمي كنعان من مبعدي كنيسة المهد كان حاضرا في ذاكرتي طيلة الوقت حيث عرفته في غزة انسانا ناشطا لا يكل ولا يمل.. يعيش كل يوم ليذكرنا ورفاقه أن أهلهم في بيت لحم وأمه تلك السيدة الرائعة الحنونة تتوق لاحتضانه وللتعرف على أبنائه.. كنت سائحة في بلدي أريد أن أوصل ما قطع بيننا في غزة وبين أهلينا بالضفة والقدس وفلسطين.. صدفت أن هاتفني وأنا داخل كنيسة المهد تمنت أن يكون مكاني ..آخر مكان وقف فيه وصحبه قبل الابعاد.. قال بوجع وفرحة.. صوري كل شيء الأماكن.. الناس عل ذاكرتي تحيا..!!
إذن هي الطفلة في أعماقي عاشت مرة أخرى بعد أن أصبحت أما لترى القدس وأسوارها وبيت لحم وأجراس الكنيسة.. وهو الأب المبعد الذي نفي إلى غزة لازال يبحث عن طفولته وشبابه بين مسجد عمر وكنيسة المهد.. يبحث عن عيون أمه حين كان يحتضن يدها في شوارع بيت لحم.. إذن كلنا أطفال تستحضرهم الذاكرة بعد أن قطعوا سنوات طوال في غيبوبة المكان والإبعاد عن مكان ولادتنا.. كلها فلسطين لكنها الآن باتت غزة والضفة والقدس و48 ووو.. تمزقت هويتنا وضاع حلم الوطن تحت وطأة انقسامنا.. في كنيسة المهد كان المسيحيون وفودا وفودا من كل بلدان العالم يملأون المكان إيمانا يجاورهم المسلمون ويذوبوا سوية في عشق التاريخ.. إنهم في مهد المسيح.. والعذراء تكلل المكان بالحب والإخاء.. إنهن النساء مرة أخرى يحتضن الجميع كما هي فلسطين تحتضن الجميع.. قرابا بعادا متنافرين.. إنهم أشبه بالأبناء الظالين الذي نسوا أمهم ونسوا ذاكرة الطفولة.. علينا إحياء ذاكرتنا لأن ذاكرة الأجيال القادمة لم تعي مثلنا الوطن والعشق والأشجار التي تلتف حول قلوبنا فتنتزعها حينا لكنها تعيدها لنا كي نبقى أحياء نتذكر أن وطنا بالانتظار.. ماذا قدمت حكومتانا لذاكرة الأجيال القادمة سوى القتل والدمار والفرقة والمناكفة.. كم مضحك مبكي أن نفكر أنهم قدموا لنا الموت ومسح الذاكرة فقد باتت غزة وحدها وطنا.. ورام الله وطنا وبيت لحم والقدس وطنا وووو… إن لم يكن بأحلامهم أن يحرروا القدس فليعملوا على تحرير عقول الأجيال القادمة من الكره والحقد والمصالح الغبية ولينحتوا ذاكرة الطفولة بالإيمان والحب بجذورهم وامتداد التاريخ في سماواتهم علهم يكونا آخرين غيرهم.
****
لم أعد سائحة في بلدي.. بل بلدي سائحة في قلبي وقلبي على مرمى حجر من أسوار القدس.. أحبك يا فلسطين أكثر وأكثر..

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *