مباشر من غزة 2 صغيري/صغيرها

حملوا جسدك الغض يا صغيري/صغيرها تحت المطر، كانوا يسيرون عراة إلا من الألم، يهيمون بك في طرقات المخيم الممزقة، يحيدون بك عن كلمات متفجرة تأتيك عبر شاشات التلفزة، لازالت تريد أن تتأكد من موتك العلني، كانوا يهرعون بك إلى الطرقات الملتاعة الحبلى بدموع العشق غير أنه عشق محرم علينا يا صغيري، حاولت جاهدة أن أحمي جسدك الصغير لكن كنت تحت الأنقاض المبللة بصوت الطائرات الملعونة، كنت بين يدي أهدهد خصلات شعرك الخشنة( ضحكة تتسرب إلى أعماقي) لم تغتسل منذ ثلاثة أسابيع بعد أن فقدنا الغاز والكاز والكهرباء، كنت ملتاعا من البرد ترتعد فرائضك من الهواء الفج الذي يلوح بوجهك كلما حاولت أن تغفو، ومن انسيالات المطر من فتحات الاسبست المتسعة في وجوهنا دوما، كنت دوما تشير بيدك الصغيرة لتلك النوادي الفارهة والألعاب العجيبة وتسألني هل هذه موجودة يا أمي أم يضحكون بها على الصغار مثلي؟؟
سؤالك لا زال يعلو جسدك المسجى أمامي هل يقصفون بيتنا بصواريخ حقيقية يا أمي أم أنها مفرقعات وأصوات غير حقيقة؟؟
حفرت قبرك على يدي يا صغيري/صغيرها وحملت دمك المسكوب على وجهي وعلى صدري، وشربت وجعك صمتك وعيناك المفجوعتان، كنا جميعا نخاف موتك والآن لم نعد نخاف شيئا أبدا، كنا نضعك في عيوننا ولم نفاجىء حين قتلوك بيننا وحدك، فقد كنت أغلى ما نملك واعتدنا أن يسلبونا أعز ما نملك لأنهم يريدون موتنا أن يكون بطيئا ويبقى أبدا، وضعنا أنا وأبيك ما تبقى من أغطية وأقمشة على شباك الغرفة، ودققناها بالمسامير الصدئة، ثم أغلقناه بدولابك الخشبي ، ونمنا قربك بل في حضني لم أتركك لحظة وأبيك حارسا على باب الغرفة يدور في أرجاء البيت الصغير وكلما سألتني لما لا تسقط الطائرات يا أمي علها تصمت لحظة لننام فيها؟ كان أبيك يطل برأسه من باب الغرفة باسما ويقول لك: هذا صوت أقدامي يا ولدي، وصفيري فالبرد شديد الليلة.
وكنت تبتسم لأبيك وتعود تسأله : ما الذي تلقيه الطائرات يا أبي؟ فيصمت وتجيب: صواريخ يلقوها علينا نحن الصغار لماذا يا أبي هل نخيفهم إلى هذا الحد؟؟ كنت كبيرا كبيرا وكانوا صغارا ، كنت تريد أن تلعب مع أصحابك خارج البيت ولم تقنع بما قلناه لك واصطحبك والدك لتطل خارج البيت وفي الزقاق لم تجد أحدا من أصحابك ولم تجد أحدا من الكبار الذين كانوا يفترشون باب الدار يتحادثون.. وعدت لغرفتك مكلوما وكأنك فقدت عزيزا؟ لم تتجاوز الستة أعوام يا عمرو لم تتجاوزها وعدت مهموما وساد الصمت طويلا..
قلت ليلتها: أمي لم يعد المكان كما كان؟ وأضفت: ربما هناك أجد أصحابي؟ لا تبتعدوا يا أمي؟؟ صرخت على أبيك وأخذك في حضنه وظل يتمتم بآيات القرآن على رأسك حتى غفوت وغفونا جميعنا/ أفقنا على ركام وكأنا كنا نبيت في الشارع، الانفجار كان مدويا لم أتمكن من رفع رأسي كنت أشد على يديك، وجهك، أنفاسك، كنت أصرخ باسمك لكن السواد كان يغطي عيناي كنت أراني عارية من الألم، كان السقف قد وقع على رؤوسنا، وكنت أجذبك نحوى وقدماي عاجزتان عن الحراك، كانت الأنوار تأتيني لتصيبني بدوار ورائحة الموت والدخان يعبىء صدري، الأتربة والحجارة تغطيني فأشم رائحة الدم المسفوك على أعتابها، الصرخات تكسر صمت القبور من حولنا، أشدك إلى صدري ويداي مكانهما، حملتني أيد ملائكية ولمحتك تبتسم ودمك بات عطرا للدار، وقعت أرضا وجذبتك نحوي، كنت لاتزال مبتسما وعيناك ناعستان ويدي والدك تجذبك نحوها…
كانوا يهرولون بجسدك بعيدا عن صوت الطائرات الملعونة، كان جسدك ينتفض رغم موته كلما قصفوا بيتا، طفلا، حارة، كانوا يقعون بين ركام البيوت، يحملون جسدك النحيل بعيدا عنا، الكثيرون يريدون التحقق من موتك وكانت جنازتك تخلو منا أنا وأبيك كنا-لازلنا- نضمك إلى صدورنا الممزقة، كنت أغلى شيء يا صغيري/صغيرها

اترك تعليقاً