مباشر من غزة 3 زهرات ترتحل.. بقلم

تساءلت بيني وبيني، ثم بيني وبينهم ثم بيني وبينهن.. هل لازلنا أحياء نعيش ونفرح ونبكي ونلهو ولازلنا في عداد البشر..؟؟!!
هل لازلنا فيما بيننا وبيننا نستشعر الألم والوجع الذي طال حتى ملامح وجهنا.. مضينا في طريقنا نقلب الوجوه التي طلت علينا ذات يوم -محاصر- كنا ثلاثة صبايا تمخر بنا السيارة عباب الطريق لتحيله سرابا نازفا خلفنا.. كدنا أن نعد مسمات الطريق وأن نقف في وسط الإسفلت المطعم بالعشرات من المطبات الحقيقية والوهمية وتلك التي نراها من بعيد لنكتشف أنها سراب..
جالت بخاطرنا عشرات القصص لوجوه نساء لعنتهن أزمانهن وكن عنوان الألم المخفي في الوجوه المتزاحمة في قفص كبير كبير أخذ يصغر حتى باتت عيون البشر خارج القفص بينما لا ترى أجسادها النازفة ولا تشعر بالدماء التي تغطيها إذ بات الألم أكبر من النطق به..

زهرة تذوي..!!
كانت شابة صغيرة تكاد أن تنقسم نصفين للجنون الذي يحدق بها، يقترب منها والدها ليمنحها حنانا لكنه ليس حنان الأب الصادق، تراجعت الصغيرة مرارا وشكت مرارا وصوته يدق في رأسها أنا أبوك لا تخافي؟؟ ولكن لما تتحسسني بهذه الطريقة لا يفعل الآباء ذلك؟! لا أشعر بذلك.. حذرتها أمها التي تشعر بما يدور في الأفق لكنها لا تقوى على فعل شىء فالترهيب والضرب بات جزءا يوميا من حياتها، والحزن بات معلما يفوق تحملها. الأم لا تملك إلا أن تبقى في حالة ترقب ويقظة خاصة في ساعات الليل وتحاول ألا تتركها، إذ لا يتوانى الوالد المغوار عن التسلل لينال خيالاته المجنونة، ولا يتوانى عن اختراع فتحة دقيقة في الحائط المؤدى لحمام البيت ليتفرج على عرضه ليصونه ويحميه!!!
الأم أذابها حالة الانفصام التي وصلتها ابنتها من تصرفات الأب وتسللت ذات مرة بمساعدة إحدى النساء لتصل لأخصائية نفسية والتي لم تجد -بدورها قدرة إلا على العمل لتقوية ثقة الفتاة بنفسها، وتسليحها بالدعم والمؤازرة والثبات على قواها العقلية والجسدية لتوقف الأب عند حدوده التي كفلت له كونه أبا مسؤولا لا متسولا!!..

… زهرة أخرى تموت
ممددة بانتظار الكفن الأبيض الذي سينقلها بعيدا عن العيون المتلصصة وعن الهراوات الغليظة، جسدها كان مشبعا بالوجع حتى تلاشى لون بشرتها الأبيض ليتحول لكوكتيل من الألوان المخيفة ..شفق الشمس، وصمت القبور، ولون الألم ..هل رأى أحدكم يوما لون الألم الذي تحمله النساء اللواتي يتلقين الهراوات ويهربن لعائلاتهن طالبات النجدة، فيعيدها الأهل لزوجها ومن لك غير زوجك..!! وتعود مغلوبة على أمرها ويتكرر المشهد مرارا حتى يسأم الزوج ويضربها للمرة الأخيرة…ويمنع أحدا من رؤيتها سوى المُكفنة لأن بها مرض معدي قد يصيب المودعين.. ولكن قلب الأم يقفز أمامها وقدماها تصبحان كشجرة سنديان عتيقة لتطيح بمن أمامها وتدخل لترى فلذة كبدها..لترى آثار الضرب المبرح في كل أنحاء جسدها، والبقع الزرقاء التي شوهت جسدها النحيل، لترى ابنتها التي جاءتها مرات ومرات فتهلع من هول الصدمة وتصرخ وتصرخ.. ابنتي قتلت.. ابنتي قتلت.. قتلناها..قتلونا !!

… وأخرى ترتعش
تعمل وتجتهد كنحلة هي في مؤسسة عملها، ولكن ما أن تعود لبيتها حتى يتسلل اليأس إلى قلبها والهم يملأ وجهها الفتي فباب غرفتها ممنوع أن يغلق، وحتى في أيام البرد والشتاء تنام وأمها، هي على السرير وأمها كأنما تحرسها على الأرض قربها، تفزعان من كل صوت.. قهقهة الأب تصلهن من الغرفة المقابلة، لديه كمبيوتر وتلفاز وفضائيات وجنون يشتعل في رأسه الأشيب، هاهو ذا يطل عليهن ماذا تفعلن..؟؟! ذات مرة كانت تريد تغيير ثيابها حين عادت من العمل وقف كشيطان أمامها: افعلي ما تريدين؟؟. ما المشكلة في وجودي؟؟ لا تظني أني ساترك ما يسمونه –زوج- يخطفك مني.. لا أفرط بك لآخر، قلبي غضبان عليكي لو تزوجتي بعد موتي!! ويهتاج صائحا سأخرج من قبرى وأقتلكما.!.
تصيح الأم محاولة أن تنهي الحوار اليومي فيصفعها على وجهها، ويقف مرة ثانية، تبكي الشابة وتصيح وتصرخ لكن لا حياة لمن ينادي..
لو كلمة خرجت من هذا البيت سأحرقكم جميعا.. تصيح الأم لم نلجأ؟ لما تحول حياتنا جحيما؟؟!! الشابة تعيش جنونا مطبقا في البيت ضربت ولازالت، الأم ضربت ولازالت وحين حاول أحد الإخوة وهم أصغر سنا من أختهم التدخل انفجر جنون الأب ولم يضرب بالعصا فقط !!؟؟ عشر سنوات مرت والتحرش لفظا وفعلا لازال قائما فمن يبالي؟؟ ومن يشعر بحياة البريئات خلف الجدران الإسمنتية.
…..
تزاحمت الصور والمعاني وتذكرتها تلك التي جاءتنا ولم تجدنا.. جاءتنا والعيون تنهش جسدها.. جاءتنا بقصد الهرب لكنها جاءت بعد أن انهينا الدوام بحثت عن عيون تشبه عيونها.. عن احد يسمع شكواها/موتها، لم تجد أحد غيره اعتقدت لبساطتها أنه قد ينجدها، هو زميل صحفي- سردت قصتها وهي ملتاعة متألمة جئتكم هاربة وليست المرة الأولى التي أحاول فيها الهرب، والدي يحضر لي رجال على البيت، الرجل بـ50 شيكل، وأحيانا بـ 20 شيكل وسيجارة فهي عملة صعبة ..ضحكت وبكت في آن.. لا أريد أن أفعل الرذيلة قبلت قدميه أن يتركني أنظف البيوت وأعطيه ما أحصل عليه، رجوته أن يعتقني لأجل الله ولأجل أمي الميتة ويتمي من الإخوة والأخوات.. هربت مرارا لكني لم أجد من يحميني ..
هي زهرات تعيش بيننا نراها ونشم رائحتها في طريقنا للحياة.. زهرات واقعية من لحم ودم ليست من نسج الخيال.. لكنها زهرات تذوي وتصرخ وتبكي ويسمعها آخرون، لكنها دائرة مغلقة فمن يحمي من؟؟ ومن يلجأ لمن؟..
وصلنا نهاية طريقنا كنا ثلاثة صبايا وكلنا ترجلنا من العربة وعشرات الوجوه تحاصرنا، تدك حصون العقول فالصورة لم تكتمل وخلف إطارها عشرات الوجه الذابلة، فمن يلمح ظلا للوجوه ومن يملك صوتا للبقاء..!!!

اترك تعليقاً