عمان : 5 آلاف مخطوطة في خزائن «التراث والثقافة».. و99% منها أرشف إلكترونيا

أقدمها يعود عمره إلى 900 سنة .. وبعضها خط أحمر لا يطلع عليه أحد –
حفظ بأحدث التقنيات وترميم يدوي دقيق .. وقريبا مكتبة رقمية ضخمة ––
الموقف نيوز / تجلس أسماء السيابية، بروبها الأبيض، أمام صفحات تالفة من مخطوط عماني تعمل على ترميمه منذ أشهر، وتضعه فوق مساحة زجاجية شفافة ينبعث من تحتها ضوء شديد الصفاء، وتعمل بمشرط حاد جدا ودقيق على ثقوب ظاهرة في صفحة المخطوط التي أمامها.. تركز السيابية بشدة وهي تحرك مشرطها على الصفحة.. لا تنشغل بقراءة المكتوب في الصفحة التي أمامها، ليس لأنّ الضوء يمنعها من ذلك ولكن لأن علاقتها مع الورقة أكثر حميمية من علاقتها من الخط وتفاصيل المكتوب في الورقة أمامها. صفاء الصفحة التي يدثرها الضوء المنبعث من أسفلها ويعطيها كل ذلك البهاء ليس وحده الذي يعطي الصفحة الخاضعة للترميم رونقها ولكن هذه الصفحة عادت لتوها من جهاز التعقيم الذي خلصها من آلاف الفطريات والبكتيريا التي ظلت تتراكم بين سطورها منذ مئات السنين.
في دار المخطوطات والوثائق بوزارة التراث والثقافة يمكن للزائر أن يطلع على الكثير من الكنوز المعرفية العمانية التي ما زال آلاف منها مخطوطا وينتظر من يقوم بتحقيقه وإخراجه للقراء.
مصاحف قديمة مخطوطة بماء الذهب ومزينة بزخارف فنية بديعة تكشف ذوقا رفيعا للخطاطين العمانيين. ومئات من المخطوطات الفقهية ومخطوطات علم التفسير والأدب واللغة والتاريخ وعلم الفلك، ومخطوطات في علم الفلك والبحار والطب والكيمياء، ومخطوطات في الأفلاج وعلوم كثيرة لا حد لها كل ذلك تجده في دار المخطوطات.
وتكشف حوالي 5000 مخطوطة تمتلكها دار المخطوطات بوزارة التراث والثقافة عظمة التاريخ العماني وما أنتجه الإنسان من حصيلة حضارية تمثلت في مؤلفات علمية وأدبية وإنسانية واجتماعية هي اليوم أحد أهم أرصدة القوة الناعمة العمانية التي تحتاج إلى أياد عمانية ماهرة ومتخصصة لتفعيلها وإبرازها للناس باعتبارها ما أنتجه الإنسان طوال القرون الماضية. وفي الحقيقة تقوم وزارة التراث والثقافة بجهود كبيرة في هذا السبيل كانت قد بدأت في سبعينيات القرن الماضي عندما عمدت إلى جمع هذا التراث من تحت ركام بيوت الطين وروزناته ومئات الأضاميم في الحارات العمانية وأخرجته مطبوعا بعضه محقق وبعضه لم يتسع المجال لتحقيقه لكن هذه الإمكانيات المتاحة في تلك المرحلة، كما تقول الوزارة.
وكل المخطوطات التي تملكها الوزارة متاحة أمام الباحثين والدارسين إلا مخطوطات «الأوفاق» المتعلقة بالطلاسم والحروز وأعمال الشعوذة والسحر فيمنع على الجميع الاطلاع عليها.. إلا أن الوزارة تعاملها نفس المعاملة التي تعامل بها بقية المخطوطات من حيث تعقيمها وفهرستها وترميمها وحفظها.. وهي ليست قليلة لكن الدار لا تعطي عنها أي معلومات وتتكتم عليها كثيرا.
وعدد المخطوطات في الوزارة في تزايد مستمر.. وآخر مخطوطة دخلت دار المخطوطات كانت أرجوزة الصائغي «سالم بن سعيد الصائغي» في اللغة العربية بعنوان «الدلائل واللوازم والوسائل» واشترتها الوزارة من عند المواطن درويش بن جمعة المحروقي وهي اليوم تخضع لمسلسل الإجراءات التي تخضع له جميع المخطوطات التي تصل الوزارة.
في وسط الدار يجلس محمد الطارشي إلى جوار سعيد المحرزي وسعاد الفارسية وأفراح الغافرية يتناقشون حول أوراق متقطعة من مخطوطات يبدو أنها وصلتهم حديثا.. يدور نقاش هادئ حولها وحول برنامج التعامل معها وهم يتعاملون مع كل ورقة تصلهم باعتبارها كنزا ثمينا لا يمكن تقديره بثمن.
يترك الطارشي مجموعة الأوراق بحذر تام ويلتفت ليقول: إن أول تعامل يكون مع أي مخطوطة تتملكها الوزارة هو عملية التعقيم، حيث يكون المخطوط بحاجة إلى تعقيم لحمايته وحماية من سيتعامل معه من العدوى التي قد تسببها الفطريات والبكتيريا الموجودة بين أوراق المخطوط نتيجة التخزين والحفظ البدائي لسنوات طويلة وفي أماكن رطبة.
وكانت الوزارة قد دشنت جهازا لتعقيم الوثائق والمخطوطات وحفظها من التلف من صنع شركة «بيومست» الكورية الجنوبية. ويعتبر هذا الجهاز الأحدث والأكثر تطورا في مجال تعقيم المخطوطات والوثائق من الفطريات والبكتيريا وكافة الآفات التي تصيب المخطوطات وتعمل بصمت وتخف على إتلافها وفقدانها. ويعمل الجهاز على تعقيم 60 مخطوطا في كل عملية وتستمر مدة التعقيم في كل عملية بين 18 و24 ساعة. وهناك جهاز آخر يقوم بعملية تبخير وتعقيم مكان حفظ وتخزين المخطوطات.
وغير التعقيم تخضع المخطوطات فور وصولها للوزارة إلى عملية التسجيل والفهرسة وإعطاء المخطوط رقم حفظ ثم يتم تصويره رقميا.
وفي غرفة مجاورة للمكان الذي كان يجلس فيها الطارشي تستكين 5 آلاف مخطوطة محفوظة بطريقة حديثة.. لا يقلق الطارشي كثيرا على المخطوطات المحفوظة فهي في آمان كبير الآن وقد وصلت إلى مخازن الوزارة رغم يقينه وزملائه أن آليات الحفظ تتطور يوما بعد آخر والوزارة تحاول جاهدة مواكبتها وفق الإمكانيات المتاحة.
وفي قاعة كبيرة في الطابق الثاني من الدار ثمة مئات المخطوطات القديمة جدا والمطبوعة بالطباعة الحجرية، المئات منها منجزة بالمطبعة السلطانية في زنجبار.. هناك تجد أجزاء قاموس الشريعة وبيان الشرع ودواوين من الشعر العماني، وكتب في التاريخ والفقه تعود إلى بدايات القرن الثامن عشر.
وبمناسبة الحديث عن بيان الشرع للشيخ محمد بن إبراهيم الكندي النزوي «توفي 1115م» فإن فريق تحقيق جزائري يعيد الآن تحقيق الكتاب الذي يقع في 71 جزءا وهذا التحقيق يأتي ضمن مشروع الوزارة في إعادة تحقيق الكثير من الكتب التي حققت في سبعينات وثمانينات القرن الماضي على عَجَل. يقول الطارشي تتكلف الوزارة مبلغ 65 ألف ريال عماني من أجل تحقيق هذا الكتاب الضخم الذي يشتمل على أبواب في العلم وأصول الفقه وأحكام القرآن وعلومه، والعقائد والفقه، وهو يعد أكبر مصنف عماني بعد «قاموس الشريعة» للشيخ جميل بن خميس السعدي.
كما تعمل الوزارة الآن على إعادة تحقيق كتاب الشيخ ناصر بن منصور الفارسي «الدرة البهية في علم العربية» الذي سبق وحققه المحقق المصري عادل الطنطاوي، إضافة إلى كتب ومخطوطات أخرى.
وكانت نسخة من فهرس مخطوطات اللغة العربية التي تمتلكها الدار قد وصلت للتو ساخنة من المطبعة. والفهرس يضم توصيفا كاملا ووافيا لكل المخطوطات المتعلقة باللغة العربية. وأصدرت الوزارة الكثير من الفهارس منها فهرس مخطوطات الطب والكيمياء وعلم البحار وعلم التاريخ وعلم الفلك وعلم الرياضيات وكتاب خاص لفهرس مخطوطات كتاب قاموس الشريعة، ومجلدان لفهرس مخطوطات بيان الشرع ومجلد لفهرس مخطوطات «المصنف» وغيرها من الفهارس.
أقدم مخطوط عماني لدى دار المخطوطات هو مخطوط في السيرة ويعود عمره إلى حوالي 900 سنة.
ومن بين المخوطات التي لا بد لزائر الدار أن يطلع عليها أو يسمع عنها مخطوط لمصحف القراءات السبع وهو يعدّ من نوادر المخطوطات العمانية والمخطوط يضم النص الكامل للقرآن الكريم مع القراءات السبع في حواشيه ويبتدئ كل جزء من أجزاء القرآن الكريم في الصفحة اليسرى من المصحف موزعا على ثماني ورقات أي 16 صفحة. وهذا المصحف بخط الخطاط العماني المعروف عبدالله بن بشير الحضرمي أحد علماء صحار في القرن الثاني عشر للهجرة. وهناك أيضا مصحف السندي وهو بخط السيد محمد بن فاضل السندي. وهناك المصحف الملون ومصحف الريامي ومصحف الحارثي ومصحف الوايلي.
وفي قاعة مجاورة لقاعة المخطوطات هناك قسم الدعم الفني الذي أكمل إنجاز حوالي 99% من مشروع تصوير المخطوطات العمانية بشكل رقمي باستخدام أحدث الأجهزة العالمية في مجال تقنية تصوير ورقمنة المخطوطات.
بابتسامة صافية قابلنا نصر البوسعيدي الذي يتحدث عن مشروع تصوير المخطوطات وحفظها رقميا بكثير من الفرح حيث يرى هو وزميلاه في القسم خالد الرحبي وشريفة السيابية أنهم عملوا على مشروع وطني مهم جدا للوزارة التي لم تدخر جهدا في اقتناء أحدث التقنيات الألمانية في مجال تصوير المخطوطات.
يقول نصر: إن فكرة أرشفة ورقمنة المخطوطات بدأت باستخدام تقنية الميكروفيلم وذلك للحفاظ على المخطوطات. ولكن تصوير الميكروفيلم يكون بالأبيض والأسود وهو لا يبرز جماليات المخطوطات بزخارفها وألوانها الزاهية ولذلك استخدمت الوزارة تقنية جديدة وهي الماسحات الضوئية، والتي تسمح بإعادة طباعة المخطوط ليكون طبق الأصل. يبتسم البوسعيدي قبل أن يقول: إن هذه التقنية تساعد الباحثين للرجوع إلى المخطوطات المصورة باعتبارها نسخة طبق الأصل، كما تساعد الوزارة على تبادل المخطوطات مع المراكز البحثية والجامعات العالمية وبطريقة مدمجة.
وينقسم مشروع رقمنة المخطوطات إلى أربعة أقسام حيث يبدأ بالمسح الضوئي للمخطوطات ثم مراجعة جودة المسح الضوئي وتصحيح الأخطاء ثم مرحلة فهرسة المخطوط رقميا ثم تأتي مرحلة الحفظ والتخزين.
وبعد انتهاء هذا المشروع سوف تقوم الوزارة بتدشين مكتبتها الرقمية الضخمة للمخطوطات وهو ما سيكون نقلة نوعية للوزارة في مجال المخطوطات.
ويقول نصر البوسعيدي: إن بعض المخطوطات لا يستغرق تحويلها إلى مخطوطة رقمية أكثر من ساعتين بفضل الأجهزة الحديثة. ولا تقوم الوزارة برقمنة المخطوطات التي تملكها فقط ولكنها تتعاون مع المكتبات الأهلية برقمنة مخطوطاتها أيضا باعتبارها شريكة في حفظ الإرث العماني.
وليس بعيدا عن قاعة الرقمنة، يمكن للزائر أن يطلع على تفاصيل واحدة من أهم قاعات دار المخطوطات وهي قاعة الترميم والصيانة حيث تجلس أسماء السيابية وزميلها مبارك القيضي.
وتصف أسماء عملية الترميم بأنها عملية فنية دقيقة تتضمن تجميع وتثبيت وتقوية وتجميل وإعادة المخطوطات والوثائق إلى شكل أقرب إلى أصلها.. وهي «والكلام للسيابية» آخر عملية علاج لإزالة بصمات الزمن ومظاهره المتعددة مثل التشققات والتهتكات والثقوب واختفاء أجزاء منها ومعالجتها.
وتقول أسماء: إن العوامل المؤثرة على المخطوطة متنوعة ولكن في الغالب هناك عوامل طبيعية مثل الضوء والحرارة والرطوبة، وهناك عوامل بيولوجية مثل الكائنات الدقيقة وعوامل كيميائية مثل الغازات والأتربة العالقة وفيزيائية والمتمثلة في الفعل الإنساني نتيجة الإهمال.
ويعمل قسم الترميم في دار المخطوطات بطريقة يدوية إمعانا في حفظ المخطوط والخوف عليه من أي تلف قد يسببه الترميم الآلي. وهناك الكثير من الخطوات في ترميم المخطوطة من أهمها علمية تنظيف أوراق المخطوط وهناك تنظيف ميكانيكي وتنظيف كيميائي وعملية تثبيت الحبر ومعالجة حموضة الورق وفك الأوراق الملتصقة، ودعم وتقوية الورق باستخدام التدعيم الحراري. ثم تأتي مرحلة التجليد. ولا ترمم أسماء السيابية وزملاؤها مخطوطات الوزارة فقط بل ترمم مخطوطات خاصة ومخطوطات مكتبات أهلية أيضا.
لا يمكن أن تغادر دار المخطوطات إلا وأنت تشعر بكثير من الفخر تجاه ما أنجزه الإنسان العماني من معرفة ومن مساهمة حضارية في تاريخ الإنسانية.. لا يمكن إلا أن تفخر أيضا بالجهود التي تقوم بها وزارة التراث والثقافة تجاه المخطوطات رغم التطلعات إلى جهود أكبر خاصة في مجال جمع المخطوطات العمانية التي تنافسهم في اقتنائها وجمعها مؤسسات خاصة خارج الحدود.
” عاصم الشيدي”

اترك تعليقاً