وصف حرم جامعة السلطان قابوس

د. جودت أحمد المساعيد
تلعب مواصفات الحرم الجامعي دوراً كبيراً في نجاح رسالة أي جامعةٍ أو فشلها، وذلك بمقدار ما تتوفر فيه من أمورٍ متعددة ومتطلباتٍ مختلفةٍ وإمكانياتٍ متنوعةٍ، تساهم في تحقيق الأهداف العلمية والتربوية والاجتماعية المنشودة من وراء إنشائه، مثل وجود قاعات دراسية ملائمة، ومختبرات حاسوبية كثيرة، ومعامل مخبرية فيزيائية وكيميائية وطبية متنوعة، ومراكز لتكنولوجيا التعليم اللازمة لنجاح عمليات التدريس اليومية، ومكتبة أو مكتبات ورقية وإليكترونية متعددة، وصالات رياضية مفتوحة ومغلقة، وملاعب دولية معتمدة، ومساكن صحية كافية وواسعة ومؤثثة لأعضاء الهيئتين التدريسية والإدارية والفنية في وقتٍ واحد، ومستشفيات أو مراكز طبية مجهزة ، وبيئةٍ تعليمية تعلمية هادئة تساعد على الدراسة والبحث العلمي، ومساحات عشبية وشجرية خضراء تُعطي المكان جمالاً وبهاءً وروعةً، وأماكن ترفيهية متعددة، ومحلات تجارية تسد الحاجات الأولية للقاطنين في ذلك الحرم الجامعي، وطرق مواصلات سهلة للربط بالبيئات القريبة والبعيدة بكل يُسرٍ وسهولة.

وعند مقارنة الشروط أو المواصفات السابقة التي تمّ التطرق إليها للحرم الجامعي النموذجي بصورةٍ عامة، بما كان موجوداً على أرض الواقع بالنسبة لحرم جامعة السلطان قابوس في سلطنة عُمان، طيلة عقد التسعينيات من القرن العشرين، لوجدنا توفر العديد منها بالفعل. فقد امتازت مباني إدارة الجامعة والكليات العلمية والإنسانية المختلفة بالجِدة والحداثة، حيث تولت الإشراف على عملية البناء شركة بريطانية عريقة، أخذت في الحُسبان الكثير من الأمور وعلى رأسها الظروف المُناخية الحارة لمنطقة مسقط التي تقع في الحقيقة على مدار السرطان، الذي تكون الشمس فيه عمودية أو شبه عمودية معظم أيام السنة، مما يرفع من درجات الحرارة بشكلٍ كبير.

ويتميز نمط البناء العمراني للحرم الجامعي بالأقرب إلى عملية الجمع بين الطراز الإسلامي العريق من جهة، واللمسة التاريخية العُمانية من جهةٍ ثانية، مع مراعاة الحداثة ما أمكن من حيث التصميم والجماليات البنائية في التشطيبات النهائية لتلك المباني. وقد تم فيها إحترام وتقدير الأعراف والتقاليد الإجتماعية السائدة بين أفراد الشعب العُماني، من حيث عدم الاختلاط في التعليم بين الإناث والذكور، بحيث كانت التنظيمات البنائية التي استخدمت، تتسم بالذكاء الرفيع، وذلك من حيث وجود ممراتٍ أو مساراتٍ خاصةٍ للإناث، وأخرى للذكور، وذلك من أجل تشجيع أولياء الأمور على التحاق بناتهم بالتعليم العالي.

فالطلاب وأعضاء هيئة التدريس الذكور يسيرون في الممرات الأرضية السُفلى المخصصة لهم في الجامعة للانتقال من كليةٍ لأخرى أو من مبنىً لآخر، في حين تسير الطالبات وعضوات هيئة التدريس الإناث في الممرات العليا التي تسير بالاتجاهات ذاتها ولكن بالمستوى الأعلى. أما بالنسبة لقاعات الدراسة، فيوجد لكل قاعة بابان: الأول في مقدمة القاعة وله مدخل خاص بالطلاب الذكور، والذين إذا ما دخلوا فيها، جلسوا في الصفوف الأولى من مقاعد الدراسة، في حين يكون الباب الثاني في مؤخرة القاعة وله مدخل خاص بالإناث في الصف الأخير من مقاعد الدراسة، واللواتي إن دخلن فيها، جلسن في الصفوف الأخيرة من تلك المقاعد.

ومع ذلك، فما أن تبدأ المحاضرة ويقوم عضو هيئة التدريس بطرح المعلومات والمعارف المختلفة على الطلاب والطالبات، حتى تظهر عملية التفاعل الواضحة في الأفكار والآراء العلمية المختلفة بين الجنسين، حول موضوعات المحاضرة المتعددة. كما يحرص المحاضر ذاته على إدارة النقاش بفاعلية، بعد تشكيل المجموعات الصغيرة التي تتناول قضيةً ما، أو مشكلةً محددةً، أو جزئيةً علميةً معينةً من جزئيات الدرس، بهدف الوصول إلى حلولٍ أو قراراتٍ جماعيةٍ ملائمةٍ. وكم كان يتخلل هذه المحاضرات استخدام الوسائل التعليمية المفيدة وذات العلاقة من جانب أستاذ المادة، حتى يكون التفاعل أكثر وضوحاً، والفائدة تعم على الطلبة من الجنسين.

ولم يكن يخفى على الجميع تكليف معظم أعضاء هيئة التدريس للطلاب والطالبات بعملية إعداد دُرُوسٍ مختلفة حول موضوعاتٍ فرعية للمادة الدراسية المقررة، وإلقائها أمام زملائهم. وكم كانت هذه الدروس تبرز المنافسة الشريفة بينهم من حيث تحضير الوسائل التعليمية المتنوعة والدقيقة في معمل التدريس المصغر أو في معمل الوسائل التعليمية. وكم كانت خلال تقديم تلك الدروس الطلابية تدور الحوارات المثمرة، وتُطرحُ الأسئلة والاستفسارات المفيدة، التي تنمي لديهم الصفات القيادية المرغوب فيها، وتُكسبهم المعارف والمهارات والاتجاهات المنشودة.

وكانت الملاعب والصالات الرياضية داخل الحرم الجامعي، من ضمن الإمكانيات الضرورية لطلاب قسم التربية الرياضية وطالباتها، يمضون معظم أوقاتهم فيها، إما تنفيذاً للمتطلبات التطبيقية للمقررات الدراسية النظرية، أو من أجل متابعة تمارينهم الرياضية المتنوعة، أو تلبيةً لرغباتهم المشروعة في بناء أجسامٍ رياضيةٍ قوية. هذا ناهيك عن فتح تلك الملاعب والصالات الرياضية لاستقبال الطلبة وأعضاء هيئة التدريس والإداريين من داخل الجامعة الذين يرغبون بممارسة هواياتهم الرياضية المتعددة، وذلك بعد التنسيق مع قسم التربية الرياضية الذي يقوم بالإشراف عليها.

وكم كانت تقام الأيام الرياضية المتعددة كل عام للعاملين في الجامعة، يتم خلالها تقسيم الراغبين في تلك المشاركة إلى مجموعاتٍ متنافسة عديدة لألعابٍ مختلفة مثل الألعاب الجماعية ككرة القدم وكرة السلة والكرة الطائرة وشد الحبل والسباحة، والألعاب الفردية كالجري والوثب العالي ورمي الرمح ورمي الجُلة وكرة المضرب وكرة الطاولة وكرة الريشة وغيرها. وفي النهاية كانت الكؤوس والميداليات توزع على المجموعات حسب حصاد المتنافسين من أبنائها وبناتها، كي ينتهي ذلك اليوم الرياضي بالكثير من الارتياح والسعادة من جانب الجميع، الذين تمتعوا خلاله بروحٍ رياضية واضحة سواءُ ربحوا المنافسة أم لا.

ولا ننسى الجانب الروحي داخل الحرم الجامعي، والذي كان يتمثلُ بوجود مسجدٍ ضخم في الطرف الغربي من الجامعة، والقريب نسبياً من معظم مباني الكليات المختلفة،ومن جزءٍ لا يستهان به من مباني أعضاء هيئة التدريس والإداريين. وكان الجميع يقصدهُ من وقتٍ لآخر لأداء الصلوات الخمس، وقراءة القرآن الكريم. أما عن صلاة الجمعة بشكلٍ أسبوعيٍ في ذاك المسجد، فكانت تمثل لقاءً إجتماعياً وأخوياً بين الزملاء من مختلف الكليات والتخصصات، يتم من خلالهِ تبادل أطراف الحديث ونقل الأخبار المهمة، والتي قد تؤدي إلى تحديد مواعيد لزياراتٍ معينة ، أو القيام برحلات محددة، أو التخطيط لِمشروعٍ علمي محدد أو لنشاطٍ اجتماعيٍ مفيد. كما أن وجود المستشفى الجامعي الكبير والمزود بأحدث الأجهزة والأدوات الطبية، وبالكوادر المتميزة من الأطباء من مختلف الجنسيات والخبرات، قد ساهم في تلبية احتياجات الطلبة والعاملين في الجامعة من الناحية الصحية في غالب الأحيان. هذا ناهيكَ عن وجود النادي الاجتماعي، الذي يشتمل على حمامات السباحة، وملاعب كرة المضرب ، وطاولات التنس والسنوكر، والمكتبة الثقافية، علاوةً على ربط الجامعة بشبكةٍ حديثة من طرق المواصلات التي يسهل وصول القاطنين فيها إلى مختلف جهات السلطنة.

أما عن المستوى الاجتماعي، فكانت تسود القاطنون من أعضاء هيئة التدريس والإداريين للمساكن داخل الحرم الجامعي علاقة طيبة جداً في عموميتها. فما أن تحدث مناسبة سارة لأحدهم كترقيةٍ علميةٍ مثلاً، أو نجاح الإبن أو البنت في الثانوية العامة أو في الجامعة، أو الزواج، إلا ويتقاطر الجميع صوب مسكنهِ للتهنئة والتبريك، من أجل لتأكيد على المشاركة في الفرحة ضمن جوٍ عائلي بهيج. أما إذا حدثت حالة وفاة، أو مرض، فيكون الحضور ضرورياً لتقديم واجب العزاء، أو عودة المريض لرفع معنوياته والوقوف بجانبه.

ومن بين المواقف التي لا تُنسى من التعاضد والتكاتف بين الجاليات العربية العديدة، ما حصل من تبرعاتٍ عاجلةٍ بالدم حينما تسابق الكثيرون من أبناء الجاليات العُمانية والمصرية والسودانية والأردنية والتونسية والمغربية، لإنقاذ الدكتور المصري عاطف مدكور(رحمه الله) من كلية الآداب عندما تعرض لنزيفٍ داخليٍ حادٍ، والمشاركة الفعلية في التشييع والعزاء، إضافةً إلى الحادثة الأليمة الأخرى التي راح ضحيتها إثنان من أعضاء هيئة التدريس الأردنيين الذين قضوا في حادث سير مروع بعد مدينة صُحار وهم عائدون من زيارة لمعرض الكمبيوتر في دبي، وهما المرحوم الدكتور نائل الرواشدة من كلية الطب، والدكتور يوسف الزبدة من كلية الهندسة، حيث تجلت أروع معاني التكافل والتلاحم بين قاطني الحرم الجامعي الواحد، حينما تمَ جمع التبرعات، والمشاركة في مراسم التشييع إلى مطار مسقط الدولي تمهيداً لإعادتهم لبلادهم، وحضور جلسات العزاء التي أقيمت في أحد منازل أبناء الجالية الأردنية لثلاثة أيامٍ متتالية.

اترك تعليقاً