التعاون بين الأردن وعُمان 10/7/2017

د. جواد العناني

إذا فتحت موسوعة التاريخ الاقتصادي التي تنشرها جامعة اكسفورد البريطانية، ستكتشف أن ساحل عُمان كان يرسو فيه اكثر من (50) سفينة في آنٍ واحد إبان العصور الوسطى، وكانت تقل السفن البضائع من الصين والهند إلى غرب آسيا وأوروبا، ولقد تنوعت السفن في احجامها وتصميمها حسب البضائع التي تنقلها سواء كان الخشب الثقيل (خشب الورد أو الماهوجني) ، أو التوابل، أو الحرير، أو ملح البارود وغيرها.
وتمتعت سلطنة عُمان عبر تاريخها الحافل بنفوذ قوي في شرق أفريقيا خاصة في زنجبار (التي تشكل جزءاً من تنزانيا حالياً)، وكينيا والصومال، وتجد في مدينة مثل دار السلام عاصمة تنزانيا حالياً عشرات الألوف من أصول عُمانية.
ولقد كان لسلطنة عُمان دائماً مكانتها، بسبب حرصها الشديد على أن تكون علاقاتها مع الآخرين متميزة دون ضعف، ومزاج الشعب العُماني عامة مزاج وسطي هادئ، ويفضل الحكمة والكلمة الطيبة على الصوت العالي.
ومن الواضح أن اقتصاد السلطنة الذي حقق معدلات نمو مرتفعة جداً منذ سبعينات القرن الماضي، وبعد استلام السلطان قابوس لمقاليد الحكم. صحيح أن السلطنة تتمتع بموارد النفط والغاز، ولكنها في هذه اللحظة آخذة في النضوب السريع، وبهبوط اسعار النفطـ، واضطرار السلطنة إلى رفع كفاءة الآبار، فإن مردودها من بيعه قد تراجع في السنوات الأخيرة حيث يشكل أكثر من 80% من موارد الخزينة، ولذلك قفزت نسبة العجز في الموازنة لتشكل ما نسبته حوالي (19%) من الناتج المحلي الإجمالي.
ولكن عُمان حققت إنجازات كبيرة في مجال التنويع الاقتصادي، وتسعى حالياً لتطوير بناها التحتية خاصة في مجال النقل (المطار) وسكك الحديد، والطرق النافذة، ولكن للسلطنة كثير من الميزات، فشواطئها تفوق في طولها (2000) كيلومتر، وعدد سكانها أقل من (4) ملايين نسمة موزعين بين منطقة العاصمة (الأكثرية)، وحول صلالة.
ويصل توقع الحياة (العمر) للذكر العماني حوالي 74 سنة، وأكثر من (77) سنة للمرأة، ومع هذا فإن عدد النساء يقل بشكل ملحوظ عن عدد الرجال، ولكن المرافق والخدمات الصحية فيها جيدة، وكذلك نسب الالتحاق بالمدارس.
ويبلغ حجم القوى العاملة فيها حوالي (900) الف شخص، وتصل نسبة البطالة إلى حوالي 15%، خاصة بين الاناث، أما الناتج المحلي الاجمالي فيبلغ مقاساً بسعر الصرف الرسمي حوالي (60) بليون دولار، ومعدل دخل الفرد حوالي (44) الف دولار مقاساً بالقوة الشرائية.
ولقد وضعت سلطنة عُمان العديد من الخطط الخمسية التي طبقت بشكل عام بدرجة عالية من الالتزام، وهذا ما أدى إلى النقلة الكبيرة في مستوى المعيشة والحضارة في أنحاء السلطنة، ولها جيش يُعتد به.
إن سلطنة عُمان بحاجة إلى أن تضع لنفسها مخططاً شمولياً ينقل الدولة إلى مرحلة الانطلاق، حيث أنها اكثر دول الخليج بعد البحرين قرباً من نضوب مواردها النفطية. وهذا يتطلب تركيزاً على الاستفادة من قواها البشرية المؤهلة، ودخولاً بشكل مباشر إلى التصنيع، وتبني برامج قوية في مجالات ابدعت فيها السلطنة مثل النقل البحري، والموانىء الحرة، وتطوير صناعة الأسماك، والاستفادة من إمكانات المراعي، وجعل السلطنة محطة أساسية في تجارة شرق الأرض مع غربها، وشمالها مع جنوبها.
وأعتقد أن الأردن وسلطنة عُمان يجب أن يفكرا معاً تفكيراً استراتيجياً، حيث يستفيد كل منهما من موقع الآخر، وهذا يتطلب إيجاد خط بحري عبر البحر الاحمر الى بحر العرب عبر مضيق باب المندب، ويمكن لهذا الخط أن يشكل جزءاً أساسياً من المشروع الصيني (حزام واحد/ طريق واحد)، والذي ينطوي على طرق برية وبحرية.
ويستطيع الأردن أن يتخذ من عُمان قاعدة للانطلاق نحو جنوب آسيا (الهند والباكستان والصين)، ونحو شرق أفريقيا، بينما تستطيع عُمان أن تستفيد من الأردن مع كل من المشرق العربي ومصر وجنوب البحر المتوسط.
ويستطيع البلدان أن يكوّنا شراكات مفيدة تهم البلدين، وتعزز مكانتهما، سواء في المجالات الصناعية (الأسمدة)، والمجالات البحرية (النقل البحري عبر البحر الأحمر ومضيق باب المندب، ووصول الأردن عبر مضيق هرمز إلى وسط آسيا ودول بحر قزوين)، وإنتاج الخضراوات والفواكه الطبيعية غير المعدلة، والإنتاج الصناعي الغذائي، وكذلك الدخول في شراكات عبر المناطق الإنتاجية الخاصة في كليهما.
وهنالك السياحة، والنقل الجوي، وغيرها من الأمور. إن سلطنة عُمان دولة هادئة، مستقرة، ومزاجها قريب منا، وقادرون معاً على خلق منافذ كبيرة في مجالات خدمية أخرى كالتعليم والصحة.
الفرص كثيرة، وسلطنة عُمان تستحق تقدير الأردنيين.

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *