ذكريات مع عبقرية نظام الأفلاج العمانية 18/12/2016

أبواب – د. جودت احمد المساعيد – الرأي – الأحد 18/12/2016
يظل الإنسانُ بصورةٍ عامة، عنصر النشاط الأول بين الكائنات الحية، من حيث تأثيره الكبير والواضح على سطح الكرة الأرضية إيجاباً أو سلباً.

ويزداد هذا التأثير في العادة، كلما كانت الطبيعة من حولهِ تتسمُ بالقساوة في ظروفها التي تُلقي بظلالها على حياته اليومية، مما يحتم عليه عدم الاستسلام لهذا كله، والدخول في صراعٍ قويٍ ضد هذه الظروف أو تلك التحديات، حتى يبقى على قيد الحياة، ولا سيما إذا كان هذا الصراعُ يهدفُ في نهاية المطاف إلى الحصول على أهم عناصر العيش قاطبةً وهو المياه، حيث يقول سبحانه وتعالى في مُحكمِ آياته الكريمة: (وَجَعَلْنَا مِنَ الْمَاء كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ أَفَلا يُؤْمِنُونَ) سورة الانبياء/ 30.

وإذا كانت هذه الصعوبات موجودةً بشكلٍ ملفتٍ للنظر في جهاتٍ مختلفة من كوكب الأرض، فإنها بلا شك تفرض نفسها بقوةٍ كبيرة على المناطق الصحراوية وشبه الصحراوية من العالم، وتظهر للعيان في مساحاتٍ شاسعةٍ للوطن العربي من المحيط إلى الخليج، ولا سيما في ربوعٍ عدة دول من شبه جزيرة العرب.

وقد حتم ذلك على الإنسان العربي فيها على مر العصور والأزمان، إما إيجاد السُبُل الكفيلة لتوفير المياه الكافية من أجل الحياة البشرية والحيوانية والنباتية من حولهِ، وإما الهجرة إلى المناطق التي يسهل فيها الحصول على تلك المياه اللازمة.

وقد برع الإنسان في سلطنة عُمَان على مدى التاريخ والأزمان، باختراع نظامٍ مائي فريد من نوعه في العالم يسمى بنظام الأفلاج. والأفلاج جمع فلج، وهو نظام محلي لتوفير الماء في قنوات من أجل مختلف الاستخدامات البشرية والزراعية. وقيل أن عُمان قد عرفت الأفلاج بواسطة الفرس منذ عام 2500 قبل الميلاد. وقد ازدهرت الزراعة في عُمان وتوسعت وتنوعت المحاصيل الزراعية مما كان له بالغ الأثر في حياة الإنسان العُماني، والذي ارتبط أساسا بنظام الأفلاج المائي الفريد من نوعه عالمياً.

والأفلاج ظاهرة مميزة إختصت بها سلطنة عُمان، ولا يوجد ما يحاكيها إلا بعض حالات قليلة في إيران والإمارات المتحدة والسعودية. وتشهد هذه الأفلاج بوصفها مجارٍ مائية صنعها الإنسان، على عظمتهِ وذكائه وسمو مستواه العقلي، وقدرته على تسخير ظروف البيئة في خدمته، مما جعله يقوم بتشييد ما يزيد عن أربعة آلاف منها. وتعتمد هذه الأفلاج في الأساس على مصادر مياه طبيعية، بدون تدخل التقنية الحديثة في ضخ المياه عبر قنواتها، وذلك باستخدام الجاذبية الأرضية.

وقد سمحت لي الفرصة خلال عملي رئيساً لقسم المناهج في جامعة السلطان قابوس، رؤية العديد من هذه الأفلاج في مناطق متفرقة من السلطنة، بصحبة عدد من الزملاء العُمانيين من أعضاء هيئة التدريس بالجامعة، وعلى رأسهم د. سعود بن ناصر الريامي، ود. حمد بن سليمان السالمي، ود. هلال بن زاهر النبهاني، ود. أحمد بن حمد الربعاني. وقد قاموا جميعاً بنقلي إلى أماكن الأفلاج المشهورة والشرح المفصل عن تاريخها، وكيفية العمل على شقها، وبناء القنوات الخاصة بها، وكيفية القيام بصيانتها، وعملية توزيع المياه بين الناس والمزروعات بنظامٍ هندسي دقيق، وذلك قبل اختراع الأدوات والآلات الحديثة بمئات السنين.

وقد فهمتُ من شروحاتهم الوافية، ومما قرأته عن أدبيات الأفلاج ومقالاتها العديدة، بأن الفلج يتكون في العادة من قناة رئيسة ممتدة من منبعه المسمى(أم الفلج)، كي يبدأ التدخل الإنساني بعد المنبع، بتصميم القنوات الرئيسة للاستخدام البشري، ثم ينتقل الفلج بعدها بين المزارع كي يرويها وفق حصص محسوبة بدقة. وقد حظيت الأفلاج باهتمامٍ محليٍ بين عامة الناس، ورسمي حكومي أيضاَ، علاوةً على الاهتمام العالمي من جانب منظمة اليونسكو الدولية، التي أدرجت خمسة منها ضمن لائحة التراث الإنساني العالمي، وهي فلج دارس بولاية نزوى، وفلج الخطمين بمنطقة بركة الموز، وفلج الملكي بمنطقة إزكي ، وفلج الميسر بولاية الرستاق وفلج الجيلة بولاية صور.

وتوجد في العادة ثلاث مراحل لإنشاء الفلج، كما وردت في الكتابات العُمانية، والتي تتمثل في اختيار المنطقة التي تتوافر فيها عوامل شق الفلج، إذ يقوم المهندسون فيها باختيار منطقة شق الفلج، ودراسة إمكانية ذلك من خلال عدة شروط، يتمثل أهمها في وجود

مرتفعات جبلية واسعة تتخلل تضاريسها عدة أودية، تقوم باستقطاب مياه الأمطار إلى منخفضات ترابية تكون خصبة وصالحة للزراعة، ثم

توفر المعلومات الكافية عن وجود مخزون من المياه التي تخلفها الأمطار، فقد لا تتوافر المياه الجوفية في منطقة تصيبها الأمطار، والسبب في ذلك يعود إلى أن الأرضية تكون صخرية لا تمتص الماء الذي يجري عليها، فتنساب تلك المياه إلى منحدرات بعيدة. وعلى العكس من ذلك، فإن المناطق التي تكون تربتها مشبعة بالرمل والحصى والتراب، هي التي تمتص المياه وتكثر في أرضيتها النباتات، وتكون صالحة لشق الأفلاج في باطنها. ويمكن الاستدلال على وجود المياه الجوفية في المناطق التي تكثر بها أشجار الفاف وهو شجر كبير الحجم دقيق الأوراق صلب الأخشاب يمد عروقه الطويلة في أعماق باطن الأرض.

وتتمثل المرحلة الثانية في شق الفلج ذاته، حيث يقوم الخبراء برسم قياسات هندسية بتفكيرهم، ثم حفر أول بئر في الأرض المرتفعة لكي يقفوا على مسافة عمق الماء، ثم يعملون على شق قناة على السطح، من الحد النهائي للمسافة المقررة، إلى الحد الأدنى للمنطقة المطلوب توصيل الماء إليها. وتأخذ في التعمق تدريجياً حسب ارتفاع سطح الأرض، بحيث تكون قاعدتها الأرضية مستوية وقابلة لجريان الماء فيها. وعندما يبلغ عمقها ثلاثة أمتار، يقومون بسقف تلك القناة حتى تختفي تماماً، ثم حفر آبار صغيرة تسمى (وقبة)، وذلك لتهوية هذه القناة، بحيث تكون هذه الآبار متصلة بالقناة من الجوانب، وذلك لتلافي خطر الانهيار. وتكون المسافة بين كل بئرين حوالي عشرة أمتار، وتسير هذه العملية هكذا حتى يصلوا بالقناة إلى البئر النموذجية القياسية.

وابتكر العُمانيون منذ القِدَم نظاماً دقيقاً لضبط الوقت، بحيث يتم الاعتماد عليه في تقسيم الماء من حيث التوقيت إلى ضابط ليلي وآخر نهاري، فالضابط الليلي هو الذي يعتمد توقيته على النجوم. ومن المعروف أن الوحدة المستخدمة في التقسيم هي الأثر ، والأثر يساوي نصف ساعة تقريباً حسب التقسيم الزمني. وقد حصر مهندسو الأفلاج عدد النجوم المتعارف عليها، وقدروا الوقت والمسافة بين كل نجمين، لأن المسافة تتفاوت بين النجوم، وتوصلوا إلى تقدير المسافة بتقدير الوقت من طلوع نجم إلى طلوع نجمٍ آخر. وقاموا بتقدير بعض المسافة نحو مدى الساعة من الزمن، أي مقدار أثرين ، وقدروا بعضها بساعة ونصف، أي مقدار ثلاثة آثار.

أما الضابط النهاري فيتم الاعتماد فيه على ظل الشمس الذي يتكون عند سقوطه على جسم مرتفع عن سطح الأرض . وتتم هذه العملية على مراحل وهي: اختيار قطعة منبسطة من الأرض ليس فيها ارتفاع أو انخفاض، ولا يحجبها شيء عن الأشعة منذ مطلع الشمس وحتى غروبها، وبعد تنقيتها وتسويتها، يقومون بتخطيط رقعة في وسطها مربعة الزوايا تقدر بثلاثين متراً لكل زاوية، ثم يختارون نقطة الوسط من هذه الرقعة لتكون محوراً للدائرة ، ويتم بعدها إعداد عمود خشبي ليس فيه اعوجاج ولا تفاريق، ويكون طوله حوالي ثلاثة أمتار وسمكه ثمانية سنتمترات، ويتم نصبه في وسط تلك النقطة التي أعدت له، ويثبت بحجارة ومادة لاحمة كالإسمنت تسمى الصاروج. ويكون العمود من خشب الزيتون البري الذي يسميه العمانيون (العتم)، وهو صلب جداً لا يتأثر بالعوامل الزمنية. وينصب هذا العمود مستقيماً، ومن ثم تأتي مرحلة تقسيم أرضية تلك الرقعة هندسياً فيخط فيها ثلاثة خطوط، ما بين زاويتي الشرق والغرب، بحيث يكون الخط قد تمَ تقسيمه إلى قسمين متساويين. وبعدها يتم تقسيم كل جزء إلى نصفين أيضاً، ويمد في وسطه خط لتصبح الرقعة الأرضية فيها ثلاثة خطوط ، ممتدة ما بين الزاويتين الشرقية والغربية. وهذه الخطوط تصبح مساراً لظل ذلك العمود، فالخط الوسط يكون مساراً لظل العمود إذا كانت الشمس في فصلي الربيع والخريف، كما أن الخط الشمالي يكون مساراً لظل العمود إذا كانت الشمس في فصلي الشتاء والصيف .

أما عن التقسيم خلال ساعات النهار، فيقوم المهندسون بتقسيم مسافة الزاوية الغربية من تلك الرقعة، إلى ستة أقسام ، بحيث يستوعب كل قسم جريان ظل العمود لمدة ساعة من الوقت أي مقدار أثرين ، وتتفاوت مسافة كل قسم عن مسافة القسم الآخر تماشياً مع مسَار الشمس، فإن مسار الظل عند طلوع الشمس أو غروبها يكون أسرع بكثير من مساره عند استوائها ظهراً ، فمثلاً يكون الظل عند الاستواء مقدار ساعة من الزمن، بينما يكون مساره لمسافة مترين عندما يكون الزمن وقت طلوع الشمس أو غروبها، وهو مقدار ساعة أيضاً. لذا، تصبح المسافة ما بين الأقسام متدرجة في الزيادة. ويوضع على كل قسم علامة هي عبارة عن حجر مستطيل يسمى (جامود) ويثبت بالصاروج لكي لا يتحرك من مكانه ويكون فارقاً بين وقتين لكي يحددوا وقت ساعة بين العلامتين .

باختصار، فإن الحاجة تبقى دوماً أم الاختراع، حيث احتاج الإنسان العربي العُماني إلى المياه، ففكر بعمق، ثم أبدع أيما إبداع، عندما اخترع النظام الهندسي المائي العبقري المسمى بالأفلاج، كي يُسَخِرهُ لخدمته في حياته اليومية ماضياً وحاضراً ومستقبلاً، رغم كل أساليب التكنولوجيا الحديثة.

اترك تعليقاً